gocorporation
download
شرح أصول في التفسير (الشرح الثاني) - 4
219
عناصر المادة:

قال: (الاختلاف الوارد في التفسير المأثور على ثلاثة أقسام) كيف التفسير المأثور؟ هل هناك تفسير مأثور وتفسير بالعقل والنظر؟الجواب: نعم ما فيها شك، فإمام المفسرين بالمأثور هو ابن جرير رحمه الله، وسيأتي إن شاء الله الكلام على مؤلفيه، قال: الاختلاف الوارد في التفسير المأثور على ثلاثة أقسام؛ (الأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى، فهذا لا تأثير له في معنى الآية)؛ لأن الاختلاف في اللفظ مع اتفاق المعنى لا تأثير له؛ لأن كلا القولين قول واحد، ولا خلاف.(مثاله: قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] قال ابن عباس: قَضَى: أَمَر ، وقال مجاهد: وصَّى ، وقال الربيع بن أنس: أوجب ). كم من قول؟ طلبة: ثلاثة.الشيخ: طيب، هل تختلف؟ الطلبة: لا. الشيخ: لا، أمر ووصى وأوجب، الأمر الأصل فيه الوجوب، الأمر وصية من الله عز وجل، فنقول: هذا الاختلاف لا يَضُرُّ.(وهذه التفسيرات معناها واحد أو متقارب فلا تأثير لهذا الاختلاف في معنى الآية.الثاني: اختلاف في اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين لعدم التضادِّ بينهما؛ فتُحمَل الآية عليهما وتفسَّر بهما، ويكون الجمع بين هذا الاختلاف أن كل واحد من القولين ذكر على وجه التمثيل لما تعنيه الآية أو التنويع)، الآن الاختلاف هنا ويش؟ في اللفظ والمعنى، لكن الآية تحتمل المعنيين، لعدم التضاد بينهما.مثال ذلك: (قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ[الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]).قوله: فَانْسَلَخَ مِنْهَايعني: تخلَّى كما ينسلخ جلد الشاة عنها عند سلخها.فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُأي: اتبعه، (أتبعه) بمعنى: اتبعه.فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَايقول الله عز وجل: لَرَفَعْنَاهُ بِهَا؛ لأن الله تعالى يرفع بآياته قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١]، وقال الشاعر:
العِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ
فالله تعالى يرفع بالعلم أقوامًا ويضع آخرين، والرفعة تكون في الدنيا وفي الآخرة، أو في الآخرة دون الدنيا أحيانًا لا يقدر الله عز وجل للإنسان رفعة في الدنيا لكن يكون له رفعة في الآخرة، وربما يضع به آخرين يكون العالم من المغضوب عليهم والعياذ بالله، من الذين علموا الحق ولكن اشتروا به ثمنًا قليلًا.(قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل ، وعن ابن عباس: أنه رجل من أهل اليمن ، وقيل: رجل من أهل البلقاء) في الشام، كم من الأقوال؟طلبة: ثلاثة.الشيخ: هل بينها تنافٍ؟ أبدًا، الآية تحتمل المعنى، فهنا من بني إسرائيل، وبنو إسرائيل قد يكون في اليمن، قد يكون في الشام، قد يكون في مصر، نعم من أهل اليمن غير أهل الشام البلقاء، الاختلاف واضح، لكن نقول: الآية تعم هذا وهذا، وكلما وجدت اتساعًا للمعنى في الآية فَخُذْ به حتى بما هو متضاد، قال الله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [التكوير: ١٧، ١٨] (عسعس) يعني: أقبل أو يعني: أدبر، ألا يمكن أن نقول: بمعنى أقبل وأدبر؟ يمكن؛ لأنه لا منافاة.(والجمع بين هذه الأقوال أن تُحمل الآية عليها كلها؛ لأنها تحتملها من غير تضاد، ويكون كل قول ذكر على وجه التمثيل) فيقال: إن ابن مسعود رضي الله عنه بلغه ذلك عن رجل من بني إسرائيل، وابن عباس بلغه عن رجل من اليمن، والقول الثالث أنه رجل من أهل البلقاء.(ومثال آخر: قوله تعالى: وَكَأْسًا دِهَاقًا [النبأ: ٣٤] قال ابن عباس: دهاقًا: مملوءة ، وقال مجاهد: متتابعة ، وقال عكرمة: صافية ) المعاني مختلفة لا شك وَكَأْسًا دِهَاقًايعني: أهل الجنة يشربون كأسًا دهاقًا، ما معنى دهاقًا؟ طلبة: مملوءة.الشيخ: مملوءة، هذا قول.طالب: متتابعة. الشيخ: متتابعة؛ يعني: كلما شربوا كأسًا جيء إليهم بآخر، وقال عكرمة: صافية، (ولا منافاة بين هذه الأقوال، والآية تحتملها، فتُحْمَل عليها جميعًا، ويكون كل قول لنوع من المعنى).

***

طالب: قوله وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُهنا مكتوب عندنا: أتيناه.الشيخ: آتيناه.يقول: إن الصوفية قد عبَّدوا طريقًا إلى قبرٍ بين مكة والمدينة فوق رأس جبل من أجل زيارته، ويزعمون أنه قبر أمه؟سمعت أنه مطين، ولا تُثَبِّتْ عن الخرافيين، فنحن نقول: لنفرض أن هذا قبر آمنة يقينًا، فهل تسن زيارته، أجيبوا؟ الطلبة: لا.الشيخ: لا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما زاره بعد هذا، ثم إن الرسول لم يزره إلا بإذن من الله، ومن الذي يدعي أن الله أذن له أن يزوره؟لو ادَّعى أي إنسان قال: والله رأيت ربي في المنام على أحسن صورة، فاستأذنت أن أزور قبر سيد الخلق فقال له: زره ولا جناح عليك، نطيعه ولّا ما نطيعه؟ طلبة: ما نطيعه.الشيخ: لا نطيعه، فإذن هو غير معلوم في الواقع، لكن على فرض أنه معلوم، لا نزوره؛ لأن الرسول ما عاد إليه مرة أخرى، والصحابة ما زاروه، ولا شك أنهم أحق الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزوره كيف نحن نزوره؟ولا يُزار قبرُ الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بعد استئذان الله، وإذا أذن الله لرسوله لقربه منها فهل أذن لنا؟ لا، لم يأذن، وهذا نظير قول الخرافيين: إن مولد الرسول عليه الصلاة والسلام في مكان قرب الصفا في مكة يُسَمُّون هذا دار المولد، هذا أيضًا كذب لا صحة له، وقد حقق حَمد بن جاسر الأستاذ المعروف أنه لا يعلم أين ولد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الناس اختلفوا هل ولد في مكة أو في عُسفان؟ هذا خلاف ثم الذين قالوا: وُلِد بمكة، اختلفوا هل هذا مكانه أو في الشِّعب أو في مكان آخر، عدّد أربعة أمكنة، هذه المسائل ما فيها علم يقين ولا ظن.الآن كلنا نعرف أنهم يقولون: إن مولد الرسول صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول ليلة اثنى عشر، هل هذا صحيح؟ أبدًا فيه ستة أقوال في يوم ولادته، وحقق أحد العلماء الفلكيين المصريين أنه كان في اليوم التاسع من ربيع الأول لكن نعلم أنه ولد يوم الاثنين، تعيين اليوم نعلمه من كلام الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: لما سئل عن صوم يوم الاثنين قال: «ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» .والعجيب أن أهل المولد الخرافيين هؤلاء استدلوا بهذا الحديث على إقامة احتفال المولد، هل فيه دلالة؟ نقول: إن كنتم صادقين في الاستدلال والاتباع فصوموا يوم المولد، الرسول لم يجعل له مَزيَّة إلا الصوم.فالمهم أن عليكم مسؤولية أنتم طلبة العلم أن تُبَيِّنُوا للناس بدون مجابهة أنَّ هذه الأشياء لا حقيقة لها، وأنها لطول الأمد حدثت هذه البدع، وصارت هي السنة عند كثير من الناس، والبدع ما يخالفها.الطالب: هل يجوز أن تقول لمن أتى بصدقة أن تقول له: اللهم صلِّ على آل فلان؟الشيخ: إي نعم تقول: اللهم صلِّ عليه، لكن خشيت إن قلت: اللهم صل عليه، بكرة يقول: أنا نبي، إن خشيت هذا لا تقول له ها الكلام، ادعُ الله تعالى بالدعاء وإن لم يطابق لفظ الآية، لأن المقصود صَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٣] ادعُ لهم فهمت؟ طالب: شيخنا، بالنسبة للمتأخرين الذين فَسَّروا بعض الآيات أو أخرجوا منها فوائد هل يستأنس بجمع العلماء أو إذا؟..الشيخ: بجمع العلماء؟! ويش هو جمع العلماء؟ الطالب: جمع المفسرين. الشيخ: هذا يأتينا إن شاء الله تعالى في التفسير، أستغفر الله وأتوب إليه، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

***

طالب: والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف حفظه الله تعالى:الاختلاف الوارد في التفسير المأثورالقسم الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى، والآية لا تحتمل المعنيين معًا في التضاد بينهما، وتُحمَل الآية على الأرجح منهما بدلالة السياق أو غيره؛ مثال ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١١٥]؛ قال ابن عباس: غَيْرَ باغٍ في الميتة، ولا عادٍ في أَكْلِهِ ، وقيل: غَيْرَ خارج على الإمام ولا عاص بسفره، والأرجح الأول بأنه لا دليل في الآية على الثاني؛ ولأن المقصود بحل ما ذكر دفع الضرورة، وهي واقعة في حال الخروج على الإمام، وفي حال السفر المحرم وغير ذلك، ومثال آخر قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة: ٢٣٧] قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة: ٢٣٧]: هو الزوج ، وقال ابن عباس: هو الوَلِيُّ ، والراجح الأول في دلالة المعنى لعلِيٍّ؛ ولأنه قد رُوِيَ فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم. الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (القسم الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى والآية لا تحتمل المعنيين) جميعًا، يعني معناها: أن التفاسير الواردة تختلف في اللفظ والمعنى، والآية لا يمكن أن تحتمل المعنيين جميعًا، فماذا نصنع؟يقول: (فتُحمل الآية على الراجح منهما لدلالة السياق أو غيره) ويُلْغَى الثاني؛ لأن الجمع غير ممكن والآية لا تحتمل المعنيين جميعًا.(مثال ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١١٥]) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَالميتة يستثنى منها ما ميتته طاهرة كالسمك والجراد، والدم يستثنى منه ما يبقى في اللحم والعروق بعد الذكاة الشرعية فإنه حلال، وعلى هذا فلو شق القلب بعد أن ذكَّاها ذكاة شرعية وأكل الدم الذي فيه فهو حلال، وفي الحديث: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ، وَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ» ، طيب، ولحم الخنزير لا يستثنى منه شيء؛ كله لحمه عصبه شحمه جلده كله حرام.وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِأي: ما ذكر اسم غير الله عليه، مثل أن يقول: بسم المسيح، بسم محمد، بسم جبريل، بسم الرئيس وما أشبه ذلك هذا حرام.فَمَنِ اضْطُرَّأي: ألجأته الضرورة لأكل هذه المحرمات، غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌيعني: فإن الله يغفر له وليأكل، وليأكل ما يَسُدُّ رمقه أي: ما تبقى به الحياة، ولا يزيد إلا أن يخافا ألا يجد هذا المحرم فلا بأس أن يزيد على ما يَسُدُّ رمقه.وقوله: فَمَنِ اضْطُرَّهذه في قضية معينة، لكن هناك آية عامة وهي قوله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: ١١٩] هذه تقضي على كل المحرمات إذا اضطر الإنسان إليها صارت حلالًا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: غير باغٍ في الميتة، ولا عاد في أكله؛ يعني: غير باغ أي: غير طالب لأكل الميتة، وإنما أكلها للضرورة، ولا عادٍ في أكله يعني: زائد على ما تقضيه الحاجة، هذا تفسير ابن عباس، وإذا أتاك التفسير عن ابن عباس، وصح عنه فحسبك به؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا له أن يعلمه الله التأويل.(وقيل: غير خارج على الإمام ولا عاص بسفره) غَيْرَ بَاغٍأخذوه من البغاة الذين يخرجون على الإمام، وَلَا عَادٍأي: عاص في سفره، وهذا القول ضعيف.(والأرجح الأول لأنه لا دليل في الآية على الثاني)؛ لأن البغاة وجودهم نادر فلا تُحمل الآيات على الشيء النادر القليل الوقوع؛ لأنه لا دليل في الآية على الثاني، ولأن المقصود بحل ما ذكر دفع الضرورة أفهمتم؟ وهي واقعة في حال الخروج على الإمام، وفي حال السفر المحرَّم وغير ذلك يعني، وفي غير ذلك، فهذا هو الصواب.إذن غَيْرَ بَاغٍ: غير طالب لأكل الميتة ولا متجاوز للحد الذي تندفع به الضرورة.فإن قال قائل: هل يُعْقَل أن إنسانًا يطلب أكل الميتة.نقول: نعم، ربما أنه ليس بذلك الضرورة؛ ليس عنده الضرورة التي يخاف أن يموت لو لم يأكل، أو قد تكون الميتة شابة صغيرة سمينة فتشتاق نفسه إلى هذا، ممكن هذا.طيب الذين يقولون: إن المراد (غير عاد) أي: غير عاص في سفره، إذا كان الإنسان عاصيًا بسفره، مثل أن يكون: سافر لشرب الخمر، سافر للزنا، سافر للملاهي، هذا عاص بسفره فاضطر إلى الأكل، قال: إن لم آكل مِتُّ، فماذا يقال له؟ هل يقال: مت، قالوا: نقول له: تُب، ثم كُلْ، إن تاب هل تصح هذه التوبة التي ألجأت إليها الضرورة؟ في هذا نظر، فلا تنفعه التوبة.على كل حال متى اضطر الإنسان إلى أكل هذه المحرمات أكل، سواء كان عاصيًا بسفره، أو خارجًا على الإمام، أو غير ذلك.(مثال آخر قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة: ٢٣٧]) يعني: في الصداق، الخطاب للأزواج، إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّوضمير الغيبة للنساء، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةًما هذه الفريضة، أجيبوا. طلبة: (...).الشيخ: الصداق فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْلكم أو عليكم؟ طلبة: عليكم.الشيخ: يصلح هذا وهذا؛ لأنه إذا كان النصف له فالنصف على الزوجة، أو النصف عليه فالنصف للزوجة، إذن يصلح أن نقدِّر الخبر: (فلكم نصف ما فرضتم أو فعليكم نصف ما فرضتم)، لكن إِلَّا أَنْ يَعْفُونَيرجح أن التقدير: (فعليكم نصف ما فرضتم إلا أن يعفون) من هو؟ طلبة: النساء.الشيخ: النساء، وعلى هذا فالنون هنا ضمير ليست علامة إعراب، فلا يُشكل عليك أن تقول: لماذا لم تحذف النون لوجود (أن)؟ نقول: لأن النون هذه ليست علامة إعراب، وإنما هي ضمير.إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِيعني: فإن عَفَوَن فلكم المهر كله، لكن مَنِ الذي بيده عقدة النكاح؟(قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ: هو الزوج ، وقال ابن عباس: هو الولي ) كلاهما ناهيك به علمًا وفقها وعُمقًا في العلم، فمن الذي نرجح؟ نرجح ما دل عليه السياق؛ وهو أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، الذين قالوا: إنه الزوج؛ قالوا: لأن الزوج هو الذي يستطيع أن يطلق فيحل العقدة، والذين قالوا: إنه الولي؛ قالوا: إنه لا يمكن أن يتزوجها إلا إذا عقد له الولي وأوجب النكاح، وقال: زوجتك، ولكلٍّ وجهة نظر، لكن الراجح أن المراد به الزوج؛ لأنه في مقابل يَعْفُونَوهن الزوجات، ولأن الولي قد لا يكون له الحق أن يُسقط حق المرأة، يعني لو فرضنا هذا ممكنًا في الأب لم يكن ممكنًا في ابن العم مثلًا، ابن العم لا يملك أن يُسقط حق المرأة في صداقها، فسار تفسير علي بن أبي طالب أرجح من وجهين: الوجه الأول: التقابل إِلَّا أَنْ يَعْفُونَمَنْ هن؟ طالب: الزوجات.الشيخ: الزوجات، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِيعني: الزوج، يكون هذا مقابل هذا، يرجحه أيضًا أن الولي لا يملك أن يسقط حق الزوجة في الصداق إلا أن يكون الأب على خلاف في هذا أيضًا، فالصواب إذن إِلَّا أَنْ يَعْفُونَفإذا عَفَوْن؟ الطلبة: (...). الشيخ: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَأي: الزوجات، فإذا عَفَوْنَ؟الطلبة: (...).الشيخ: فله الصداق كله، يعود على الزوج، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِهو الزوج، فللزوجة الصداق كله.(والراجح الأول؛ لدلالة المعنى عليه، ولأنه قد رُوِيَ فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم) أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج .

***

ترجمة القرآن، أردفنا التفسير بالترجمة؛ لأن الترجمة في الحقيقة التفسير.يقول: (الترجمة لغة: تطلق على معانٍ ترجع إلى البيان والإيضاح) إذن هي قريبة مِن؟طلبة: التفسير.الشيخ: من التفسير، فهما رضيعا لبان واحد.وفي الاصطلاح: التعبير عن الكلام بلغة أخرى، مثال ذلك أن يُترجم عربي اللغة عربية إلى أيش؟ الفارسية مثلًا، هذه ترجمة، أو فارسي ينقل اللغة الفارسية إلى؟الطلبة: العربية.الشيخ: العربية، هذه ترجمة.(وترجمة القرآن التعبير عن معناه بلغة أخرى) هذه ترجمة القرآن أن يُعَبَّر عن معناه، ما هو عن لفظه بلغة أخرى.(والترجمة نوعان أحدهما: ترجمة حرفية؛ وذلك بأن توضع ترجمة كل كلمة بإزائها) مثل: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة: ١١٩]؛ يترجم قَالَلفظ الجلالة هَذَايَوْمُ يَنْفَعُالصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْكل كلمة يترجمها نفسها.يقول: (الثاني: ترجمة معنوية أو تفسيرية) يعني: سَمِّها معنوية أو تفسيرية.(وذلك بأن يُعَبَّر عن معنى الكلام بلغة أخرى من غير مراعاة المفردات والترتيب؛ مثال ذلك: قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣]) إِنَّا جَعَلْنَاهُيعني: القرآن، قُرْآنًاأي: مقروءًا أو قارئًا بمعنى جامع؛ عَرَبِيًّا: بلغة العرب، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَأي: لأجل أن تعقلوه وتفهموه، استدلت الجهمية بهذه الآية على أن القرآن مخلوق، وجعلوا لهذا نظيرًا، وهو قوله: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١] أي: خلق الظلمات والنور، ولكنهم أخطؤوا؛ لأنهم لا يعرفون اللغة العربية، لأن (جَعَل) المتعدي للاثنين بمعنى: (صَيَّر) لا غير، والمتعدي لواحد بمعنى أوجد، في الآية الكريمة: جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّامتعديًّا؟ طالب: لاثنين.الشيخ: لاثنين ولّا لواحد؟ الطلبة: لاثنين. الشيخ: لاثنين؛ إذن معنى جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّاأي: صيَّرناه قرآنًا عربيًّا أي: بلغة العرب، لكن جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَبمعنى: أوجد الظلمات والنور؛ لأنها لم تتعدَّ إلا لواحد.(فالترجمة الحرفية: أن يترجم كلمات هذه الآية كلمة كلمة، فيترجم إِنَّا، ثم جَعَلْنَاهُ، ثم قُرْآنًا، ثم عَرَبِيًّا، وهكذا، والترجمة المعنوية؛ يعني: يترجم معنى الآية كلها، بقطع النظر عن معنى كل كلمة وترتيبها، وهي قريبة من معنى التفسير الإجمالي).فهنا نقول في الترجمة المعنوية: يخبر الله عز وجل أنه جعل القرآن بلغة العرب من أجل أن يعقله العرب، هذه الترجمة، ترجمها لنا (يا محمد) بلغتك، ندور واحد إنجليزي يعرف إنجليزي يمكن يترجمها باللغة الإنجليزية ترجمة معنوية.طالب: معنوية يا شيخ؛ يعني أقول يا شيخ بلغتي؟الشيخ: بلغتك.الطالب: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(...) قُرْآنًا(...) لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ..الشيخ: وتَعْقِلُونَما ترجمتها؟الطالب: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(...).الشيخ: ويش معنى (تعقلون) عندك؟الطالب: (...) يا شيخ.الشيخ: كيف (...)؟الطلبة: (...).الشيخ: (...).الطالب: (...).الشيخ: طيب، اللغة الإنجليزية تَعرف؟ يلا ترجِمْها معنويًّا.الطالب: (...).الشيخ: (...)، على كل حال، الترجمة المعنوية -شوف، لاحظْ- قد تكون أطول من المترجَم، وقد تكون أقصر؛ ولهذا أحيانًا عندما يتكلم الإنسان بمحاضرة وغيرها، ثم يأتي المترجم بعده، أحيانًا يشك في أنه ترجم الكلام؛ لأنه في اللغة العربية يقرأ حوالي سطر، ثم ذاك يأتي بها بكلمة، تقول: هل ترجمت؟ قال: نعم، ترجمت تمامًا، ليش؟ لأنها ما تتطابق الكلمات.

يقول: أما حكم الترجمة؛ ترجمة القرآن: (الترجمة الحرفية بالنسبة للقرآن الكريم مستحيلة عند كثير من أهل العلم؛ وذلك لأنه يشترط في هذا النوع من الترجمة شروط لا يمكن تحققها معها).انتبه، يعني الآن تقسيمُ العلماء الذين يتكلمون في أصول التفسير الترجمةَ إلى حرفية ومعنوية هو تفسير فكري نظري لا واقعي؛ لأن الترجمة الحرفية مستحيلة في القرآن الكريم، لا يمكن، فهي مستحيلة واقعًا، محرمة شرعًا، يقول: (لأنه يشترط في هذا النوع من الترجمة شروط لا يمكن تحققها معها، وهي:أولًا: وجود مفردات في اللغة المترجم إليها بإزاء حروف اللغة المترجم منها)، وهذا متوفر؟طالب: لا.الشيخ: لا، قد يكون في بعض اللغات حروف مفقودة، حروف اللغة العربية كم؟ ثمانية وعشرون حرفًا، قد يكون في بعض اللغات أقل من هذا أو أكثر، فإذن الترجمة الحرفية لا يمكن. (ثانيًا: وجود أدوات للمعاني في اللغة المترجم إليها مساوية أو مشابهة للأدوات في اللغة المترجم منها) أيضًا هل كل أدوات الاستفهام الموجودة في اللغة العربية موجودة في اللغات الأخرى؟طلبة: لا.الشيخ: لا، الذين يعرفون اللغات يقولون: لا، وقد يكون هناك أدوات أخرى لا توجد في اللغة العربية. (ثالثًا: تماثل اللغتين المترجم منها وإليها في ترتيب الكلمات حين تركيبها في الجمل والصفات والإضافات) تختلف اللغات أو لا؟ الطلبة: تختلف. الشيخ: في اللغة غير العربية المضاف والمضاف إليه، ما الذي يُقَدَّم؟الطلبة: المضاف إليه.طالب: (...) المضاف والمضاف إليه (...).الشيخ: لكن مثلًا أنا أذكر وأنا صغير (جاز خانه) ويش؟ مُجمع الجاز، وأصله يقولون: (خانة جاز)، لكن اختلف التفسير، فاللغات لا تتفق في ترتيب الكلمات في باب الإضافة، في باب الصفة، في باب الفاعل، في باب نائب الفاعل، وما أشبه ذلك.(وقال بعض العلماء: إن الترجمة الحرفية يمكن تحققها في بعض آية أو نحوها، ولكنها -وإن أمكن تحققها في نحو ذلك- محرمة) يعني: لو أمكنت وقوعًا فهي محرمة شرعًا.(لأنها لا يمكن أن تؤدي المعنى بكماله، ولا أن تؤثر في النفوس) كتأثير أيش؟الطلبة: اللغة العربية.الشيخ: (ولا تؤثر في النفوس تأثير القرآن العربي المبين، ولا ضرورة تدعو إليها للاستغناء عنها بالترجمة المعنوية)، إذن الترجمة الحرفية مستحيلة وقوعًا، محرمة؟الطلبة: شرعًا.الشيخ: شرعًا، وإن قبلنا قول من يقول: إنها تمكن في الآية القصيرة أو في بعض الآية، نقول: لكنها محرمة شرعًا؛ لأنه في الواقع يفوت الإعجاز، ولا تؤثر في النفوس كتأثير القرآن باللغة العربية.(وعلى هذا: فالترجمة الحرفية إن أمكنت حسًّا في بعض الكلمات فهي ممنوعة شرعًا، اللهم إلا أن يترجم كلمة خاصة بلغة من يخاطبه ليفهمها من غير أن يترجم التركيب كله، فلا بأس) وهذه سهلة، لو ترجم بلغة المخاطب لا بأس.(وأما الترجمة المعنوية للقرآن فهي جائزة في الأصل)، الأصل فيها؟طالب: جائزة في الأصل.الشيخ: (فهي جائزة في الأصل؛ لأنه لا محظور فيها، وقد تجب) الترجمة المعنوية متى؟ (حين تكون وسيلة إلى إبلاغ القرآن والإسلام لغير الناطقين باللغة العربية)، إذا كانت وسيلة إلى ذلك صارت واجبة؛ لأن إبلاغ الإسلام والقرآن واجب، وما لا يتم الواجب إلا به؟الطلبة: فهو واجب.الشيخ: فهو واجب، (...).قال: (لأن إبلاغ ذلك واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لكن يُشترط لجواز ذلك شروط؛ الأول: ألا تُجعل بديلًا عن القرآن بحيث يُستغنى بها عنه)، وهذا مهم؛ يعني: ما نترجم القرآن ترجمة معنوية ولا نكتب القرآن باللغة العربية؛ لأننا لو فعلنا ذلك لكانت بدلًا عن القرآن بالنسبة للناطقين بهذه اللغة، وهذا ضرره عظيم.(وعلى هذا: فلا بد أن يكتب القرآن باللغة العربية وإلى جانبه هذه الترجمة تكون كالتفسير له.الشرط الثاني: أن يكون المترجِم عالمًا بمدلولات الألفاظ في اللغتين المترجَم منها وإليها، وما تقتضيه حسب السياق)، وهذا أيضًا مهم، لا بد أن يَعرف المعنى في اللغتين حتى يستطيع أن ينقل المعنى من هذه اللغة إلى هذه اللغة.(الشرط الثالث: أن يكون عالمًا بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن)، مثل أن يعلم معنى الصلاة، معنى الطهارة، معنى الزكاة، وما أشبه ذلك؛ لئلا يترجم هذه المعاني بمقتضى اللغة العربية، فيَضِل ويُضِل.(ولا تُقبل الترجمة للقرآن الكريم إلا من مأمونٍ عليها، بحيث يكون مسلمًا مستقيمًا في دينه).فالكافر لا تُقبل ترجمته ولا كرامة له، أيضًا غير المستقيم في الدين الذي لا يبالي لا تُقبل ترجمته، بل لا بد أن يكون مسلمًا مستقيمًا في دينه؛ لأن مَنْ لا يؤمن لا يمكن أن نُلْقي إليه بالشريعة.ومن المصادفة في هذا: أنني كنت ذات سنة من السنوات في مطار جدة، وحولي أناس كثيرون من النيجريين، والنيجريون بعضهم هوساويون وبعضهم نوربوين، وكنت أتكلم باللغة العربية، أنا لا أعرف غير اللغة العربية، معي الأصل، كنت أتكلم فدخل ذلك الرجل هيئته هيئة شيخ، ووجهه وجه طيب، وقال له: إن القوم لا يعرفون لغتك، هل تأذن لي أن أترجم؟ قلت: طيب، جزاك الله خيرًا، هذا حُسن النية، فجعل يترجم، وإذا برجل آخر يدخل المسجد من خارج المسجد، وقال لي: هذا الرجل الذي يترجم لك إذا قلت كلمة قال ضدها؛ تدعو للتوحيد وهو يدعو إلى؟الطلبة: الشرك.الشيخ: الشرك، تدعو إلى السُّنَّة وهو يدعو للبدعة، ويتخذ من كلامك هذا حجة لهؤلاء القوم الذين لا يفهمون اللغة العربية، فأنا تحيرت ماذا أصنع؟ فقلت: إذن، لا أنت ولا هو، أتكلم باللغة العربية، فمن فهم فذاك، ومن لم يفهم فلسنا مكلَّفين به؛ لأن مشكلة هذه، الأول أمنته؛ لأنه ظاهر بمظهر جيد جدًّا هيئة، وأتخيله أنه رجل طيب، لكن سبحان الله!طالب: أحدهما يكذب.الشيخ: أحدهما كاذب، لا بد، لكن من هو؟ الله أعلم.على كل حال، الشاهد على أنه لا تقبل الترجمة إلا من مأمونٍ عليها، بحيث يكون مسلمًا مستقيمًا في دينه؛ لأن المسألة خطيرة جدًّا، وهذا كلام الله، فلا يمكن أن نأتي برجل يترجم وهو غير مستقيم ولا مسلم.

***

ثم قال المؤلف:(المشتهرون بالتفسير من الصحابةاشتهر بالتفسير جماعة من الصحابة، ذكر السيوطي منهم الخلفاء الأربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا رضي الله عنهم).هؤلاء المشتهرون بعلم التفسير، والذي يظهر لي أن هؤلاء الأربعة أعلم الصحابة في كل شيء؛ في التفسير، في الحديث، في الفقه، وأنهم أكثر الصحابة أخذًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما أبو بكر الذي صَحِبَه في أسفاره كلها، وفي إقامته، وكان له المنزلة العالية عند الرسول عليه الصلاة والسلام.(إلا أن الرواية عن الثلاثة الأولين لم تكن كثيرة؛ لاشتغالهم بالخلافة، وقلة الحاجة إلى النقل في ذلك؛ لكثرة العالمين بالتفسير).وهذه نقطة مهمة؛ يعني لو قال قائل: أبو هريرة رضي الله عنه هل هو أكثر أخذًا للحديث من هؤلاء؟طلبة: لا.الشيخ: لا، لا شك، لا سيما مع تأخر إسلامه رضي الله عنه، لكن كثرت الرواية عنه؛ لأنه عُمِّر، ولأنه متفرغ للحديث، أما أبو بكر وعمر وعثمان؛ فلأنهم مشتغلون بالخلافة، وكما تعلمون في عهدهم الفتوحات، وشؤون الدولة عظيمة جدًّا، ثم إن الحاجة إلى ذلك قليلة؛ لأن أكثر الموجودين في ذلك الوقت ما عدا الذين أسلموا في الفتوحات كلهم يعرفون القرآن؛ فلذلك قَلَّ النقل عنهم.(ومن المشتهرين بالتفسير من الصحابة أيضًا عبد الله ابن مسعود، وعبد الله بن عباس. فلنترجم لحياة علي بن أبي طالب مع هذين رضي الله عنهم)، وخصَّصْنا عليًّا؛ لأنه أكثر من الخلفاء الثلاثة قبله.

(علي بن أبي طالب، هو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنه وعنها، وأول من آمن به من قرابته، اشتهر) رضي الله عنه (بهذا الاسم) أي: علي، (وكنيته أبو الحسن وأبو تراب)، كنيته أبو الحسن؛ لأن أكبر أبنائه الحسن، وكنيته أبو تراب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه يومًا في المسجد ووجده نائمًا، وقد أصابه العرق ولَصق الترابُ على جلده، فقال: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ» ، فكان رضي الله عنه يرغب هذه الكنية أكثر من غيرها؛ لأن الذي كنَّاه بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، زوج ابنته فاطمة، عثمان أيضًا زوج بنت الرسول أيهم؟الطلبة: رقية وأم كلثوم.الشيخ: رقية وأم كلثوم، فتحته ابنتان من بنات الرسول عليه الصلاة والسلام.تنازع رافضِيٌّ وسنيٌّ في علي وأبو بكر أيهما أفضل؟ فاتفقا على أن يحكِّما ابن الجوزي رحمه الله صاحب التبصرة، فجاءا يسألانه، أيهما أفضل؟ يقولون لابن الجوزي، قال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، مَن هو؟ هل المعنى من كانت ابنة الرسول تحته، فهو علي، أو المعنى من كانت ابنته من هذين الرجلين تحت الرسول، فهو أبو بكر، ذهبا يختصمان؛ كلٌّ يقول: الضمير يعود على كذا، وهذا يقول: على كذا، لكن تخلص ابن الجوزي، فَضَّ النزاع وذهبا يختصمان، من الذي يعلم بمراد ابن الجوزي؟طلبة: هو.الشيخ: ما يعلم إلا هو، وهو ذهب عنهم وذهبا عنه، فبقيا في خصومة.على كل حال، أبو بكر رضي الله عنه ابنته تحت الرسول عليه الصلاة والسلام؛ عائشة، وعلي بن أبي طالب بنت الرسول تحته.(وُلِدَ) يعني: عليًّا، (قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين)، كم يكون بينه وبين الرسول؟طلبة: ثلاثون.الشيخ: ثلاثون سنة.(وتربى في حجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشهد معه المشاهد كلها، وكان صاحب اللواء في معظمها، ولم يتخلَّف إلا في غزوة تبوك)، وسبب ذلك أن الغزوة كانت بعيدة في أقصى الجزيرة على حدود الشام.(فخلَّفه النبي صلى الله عليه وسلم في أهله، وقال: يا رسول الله، أَتَخَلَّف في النساء والصبية؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ).كيف هارون من موسى؟ لأن موسى لما أراد أن يذهب إلى لقاء الله عز وجل إلى ميقات ربه خلَّف هارون وقال: اخلفني في قومي، قال: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».وهذا حديث من المتشابهات التي استدل بها الرافضة على أن عليًّا أحق بالخلافة من أبي بكر، ولكن لا حجة لهم فيها؛ لأن الرسول خَلَّفه في حياته كما خلف موسى هارون في حياته، ولم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: إنك الخليفة بعدي، فشبهه بخلافة موسى لهارون؛ يعني: تخليف موسى هارون، وذلك في حياته أو بعد مماته؟الطلبة: في حياته.الشيخ: في حياته، فهو مثله في كونه خليفة في أهله في حياته، فلا حجة، لكن هكذا أهل الباطل؛ يأخذون بالمتشابه ويدَعون المحكم.يقول: (نُقل له من المناقب والفضائل ما لم ينقل لغيره)، والسبب أنه هلك به طائفتان؛ طائفة تغلو، وطائفة تُفرِّط في حقه، فصارت الطائفة الأولى تنقل كل ما يمكن أن يكون منقبة ضد الطائفة الثانية.يقول: ضل فيه طائفتان؛ (النواصب الذين نصبوا له العداوة، وحاولوا إخفاء مناقبه، والروافض الذين بالغوا فيما زعموه من حبه، وأحدثوا له من المناقب التي وضعوها ما هو في غنى عنه، بل هو عند التأمل من المثالب).هذه المناقب التي يعدها الرافضة مناقب هو في غنًى عنها؛ لأن له من المناقب الصحيحة ما يغني عنها، وربما تكون من المثالب أحيانًا، ذكروا من مناقبه رضي الله عنه أنه يصلي بين المغرب والعشاء ألف ركعة، قال لهم شيخ الإسلام: أما تستحون؟ أَنْقُل كلامه بالمعنى، إذا كان يصلي ألف ركعة بين المغرب والعشاء، فكيف يقرأ؟ كيف يركع؟ كيف يسجد؟ كيف يطمئن؟ هل هذه منقبة أو مثلبة لو صحت؟طلبة: الثاني.الشيخ: الثاني، ولكننا نحاشي أمير المؤمنين عليًّا رضي الله عنه عن مثل هذا التلاعب.(اشتهر رضي الله عنه بالشجاعة، والذكاء مع العلم، والزكاء)، فهو من أشد الناس قوة وشجاعة، وكذلك ذكاء وعلمًا وزكاء، (حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يَتَعَوَّذ من معضلةٍ ليس لها أبو حسن) يعني: يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن ؛ يعني: علي بن أبي طالب، وهذا يدل على علمه وذكاءه.(ومن أمثلة النحويين قضيةٌ ولا أبا حسن لها) هذا معروف، راجعوا شرح ابن عقيل للألفية؛ يعني: هذه قضية ليس لها أبو حسن، من هو؟طالب: علي. الشيخ: علي بن أبي طالب رضي الله عنه.(وروي عن علي أنه كان يقول: سلوني، سلوني، وسلوني عن كتاب الله، فواللهِ ما من آية إلا وأنا أعلم أَنَزَلَت بليل أو نهار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا جاءنا الثبت عن عليٍّ لم نعدلِ به ، وروي عنه أنه قال: ما أخذت من تفسير القرآن) يقول ابن عباس: (ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب، كان رضي الله عنه أحد الشورى الذين رشحهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتعيين الخليفة).طالب: أحد أهل الشورى.الشيخ: (كان أحد أهل الشورى الذين رشحهم عمر رضي الله عنه لتعيين الخليفة، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف، فأبى إلا بشروط لم يقبل بعضها، ثم بايع عثمان، فبايعه عَلِيٌّ والناس، ثم بويع بالخلافة بعد عثمان، حتى قتل شهيدًا في الكوفة ليلة السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة رضي الله عنه).

بقي (عبد الله بن مسعود، هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وأمه أم عبد، كان ينسب إليها أحيانًا) في الحاشية يقول: وذلك أن أباه مات في الجاهلية، وأدركت أمه الإسلام فأسلمت، (وكان من السابقين الأولين في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، رضي الله عنه، تلقى من النبي صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة من القرآن، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام: «إِنَّكَ لَغُلَامٌ مُعَلَّمٌ» ) يعني: ملهم وفاهم.(وقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» ، وفي صحيح البخاري : أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله، وقال: والله الذي لا إله غيره، ما أُنْزِلَت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أُنْزِلَت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه ).اللهم ارضَ عنه، علم عظيم في كتاب الله عز وجل، وقوله: ولو أعلم أحدًا.. إلى آخره، هو لا يريد أن يُزَكِّي نفسه، لكن يريد أن يبين أنه وإن بلغ هذا الحد فإنه لن يبلغ العلم، وأنه لو علم أن أحدًا أعلم منه لذهب إليه إذا كانت الإبل تبلغه، وهذا يقع كثيرًا حتى من العلماء، ابن مالك مدح الألفية، ماذا قال فيها؟الطلبة: (...).الشيخ:
تُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزِ وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ
وَتَقْتَضِي رِضًا بِغَيْرِ سُخْطِ فَائِقَةً أَلْفِيَّةَ ابْـــــــنِ مُعـــــــــــــْطِي
فضَّلها حتى بالتعيين لكنه استدرك وقال:
وَهْوَ بِسَبْقٍ حَائِزٌ تَفْضِيلَا مُسْتَوْجِبٌ ثَنَائِيَ الْجَمِيـــــــلَا
وَاللَّهُ يَقْضِي بِهِبَاتٍ وَافِرَهْ لِي وَلَهُ فِي دَرَجَاتِ الْآخِرَهْ
المحُشُّون الذين يُنقبون عن الوسخ تحت الأظفار قالوا: إن ابن مالك أخطأ، ليش؟ يقول: لي وله في درجات الآخرة، لماذا لم يقل: وللمسلمين؟ سبحان الله! ألم تعلموا أن موسى قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي [الأعراف: ١٥١]؟ ألم تعلموا أن الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا يدعو لنفسه وحده؟ هل قال:
وَاللَّهُ يَقْضِي بِهِبَاتٍ وَافِرَهْ لِي وَلَهُ فِي دَرَجَاتِ الْآخِرَهْ
ولا يعطي بها لغيرنا، كما قال الأعرابي للرسول عليه الصلاة والسلام قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، وأيش؟الطلبة: ولا ترحم معنا أحدًا.الشيخ: ولا ترحم معنا أحدًا ، لكن هذا دعا لنفسه ولابن معطي ولا (...).المهم أن الإنسان إذا قصد بما يتحدث به عن نفسه حث الناس على العلم وترغيبهم في ذلك، فلا حرج عليه، والله تعالى أعلم بالنيات.(وكان ممن خدم النبي صلى الله عليه وسلم، فكان صاحب نعليه، وطَهوره، ووساده) رضي الله عنه، (صاحب نعليه) يعني: يحمل النعلين إذا استغنى عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، كذا أيضًا الطَّهور؛ يعني الماء الذي يتطهر به الرسول صلى الله عليه وسلم، (ووساده) الوسادة التي يتكئ عليها.(حتى قال أبو موسى الأشعري: قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حينًا ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أجل ملازمته النبي صلى الله عليه وسلم تأثر به وبهديه حتى قال فيه حذيفة: ما أعرف أحدًا أقرب هديًا وسمتًا ودلًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم من ابن أم عَبْد ).ولقد صدق حذيفة؛ تأتي الأحيان آثار عن ابن مسعود تقول: إنها خارجة من مشكاة النبوة، مثل قوله: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هذه الصلوات حين ينادى بهن ، وذكر تمام الأثر، كلامه رضي الله عنه يوشك أن يقول للإنسان: إنه من كلام؟طلبة: الرسول صلى الله عليه وسلم. الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم.(بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة ليُعَلمهم أمور دينهم، وبعث عمارًا أميرًا وقال: إنهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فاقتدوا بهما ، ثم أمّره عثمان على الكوفة، ثم عزله وأمره بالرجوع إلى المدينة، فتوفي فيها سنة اثنين وثلاثين من الهجرة، ودفن بالبقيع وهو ابن بضع وسبعين سنة رضي الله عنه).

الثالث: (عبد الله بن عباس، هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد قبل الهجرة بثلاث سنين) كم عمر الرسول؟ عمر الرسول خمسون سنة.طالب: أربع وخمسون.الشيخ: لا، هو قبل الهجرة بثلاث سنين، كم عمر الرسول؟طلبة: خمسون سنة.الشيخ: خمسون سنة.(لازم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ابن عمه، وخالته ميمونة تحت النبي صلى الله عليه وسلم، وضمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ»، وفي رواية: «الْكِتَابَ» ، وقال له حين وضع له وَضوءه: «اللَّهُمَّ فَقِّهُ فِي الدِّينِ» ) شوف: علِّمه الحكمة، علِّمه الكتاب، فقه بالدين، (فكان بهذا الدعاء المبارك حَبر الأمة)، أو حِبر الأمة يقال: إنها مثلثة الحاء؛ حُبر، حِبر، حَبر.

الطالب: كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيفسَّر القرآن بالسنة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُبَلِّغٌ عن الله تعالى فهو أعلم الناس بمراد الله تعالى بكلامه؛ ولذلك أمثلة منها: قوله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ [آل عمران: ١٧٢] فقد فَسَّر النبي صلى الله عليه وسلم الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى، فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم صريحًا من حديث أبي موسى وأُبَيِّ بن كعب ، ورواه ابن جرير من حديث كعب بن عُجْرَة ، وفي صحيح مسلم عن صهيب بن سنان عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث قال فيه «فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ»، ثم تلا هذه الآية: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}».
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم.
قال المؤلف رحمه الله: (ثانيًا) يعني: المرجع الثاني (كلام رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فيُفَسَّر القرآنُ بالسنة؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم مُبَلِّغٌ عن الله تعالى، فهو أعلم الناس بمراد الله بكلامه) وهذا واضح، فإذا جاءت السنة تفسِّر القرآن وجب الرجوع إليها، ولكني أقول لكم: قد يكون تفسير السُّنَّة للآية ذكر بعض الأنواع التي تدخل في الآية، لا أن المراد تفسير كل المعنى، وهذه كما تأتي في السنة تأتي أيضًا في كلام الصحابة؛ قد يُفَسِّرون الشيء ببعض أنواعه، مثال ذلك قول الله تعالى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ(الحسنى) مبتدأ مؤخر، و(للذين أحسنوا) خبر مقدم، الحسنى هي الجنة؛ يعني: الدار الحسنى.
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَىيعني: الدار الحسنى، ولا شك أن الجنة -جعلني الله وإياكم من أهلها- أحسن الدور وَزِيَادَةٌفَسَّر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم الزيادة بالنظر إلى وجه الله تعالى فهل نقول: إن المراد بالزيادة زيادة النعيم كزيادة الأكل والشرب، وما أشبه ذلك؟
الجواب: لا، الزيادة فوق ذلك، وهي النظر إلى وجه الله الذي هو أحب شيء إلى أهل الجنة، فيما رواه ابن جرير وابن أبي حاتم صريحًا من حديث أبي موسى وأُبَيِّ بن كعب ورواه ابن جرير من حديث كعب بن عجرة (...)، الصحابة كلهم رَوَوْا عن النبي صلى الله عليه وسلم أن المراد بالزيادة النظر إلى وجه الله، ثم إن المؤلف أتى بشاهد في صحيح مسلم عن صُهَيْب بن سِنان عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث قال فيه: «فَيَكْشِفُ الْحِجَابَ» يعني: الربُّ عز وجل، وما حجاب الرب؟
طلبة: النور.
الشيخ: حجابه النور كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
يقول «فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ»، ثم تلا هذه الآية: «لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}»فتُلوُّ النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بعد قوله: إنه يَكْشِفُ الحجابَ، يدل على أن المراد بالزيادة أيش؟
الطلبة: النظر إلى وجه الله.
الشيخ: النظر إلى وجه الله.
ثانيًا: (قوله تعالى وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ[الأنفال: ٦٠]) أعدوا لهم ما استطعتم من قوة الضمير في لَهُمْيعود؟
طلبة: إلي الكفار.
الشيخ: إلى الكفار، وقوله أَعِدُّوايعود للمؤمنين؛ (فقد فَسَّر النبي صلى الله عليه وسلم القُوَّةَ بالرَّمْي، رواه مسلم وغيره من حديث عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه) قال «أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ، أَلَا إِنَّ الْقُوَّةَ الرَّمْيُ» وصدق رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هناك سلاحان؛ أولًا ما يعرف بالسلاح الأبيض وهو؟
طالب: السيف.
الشيخ: السكاكين والخناجر والسيف وعصا الحديد وما أشبه ذلك، هذا قوة لا شك، لكن الرمي أقوى؛ لأن الرمي يقتل الإنسان عدوَّه من بعيد فهو بلا شك أقوى، وهل الرمي يختلف؟ الجواب: نعم في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام الرمي بالنِّبَال وما أشبهها، ثم جاء عصر آخر الرمي؟
طلبة: بالرصاص.
الشيخ: لا (...).
طالب: بالبندقية.
الشيخ: بالبندقية، ثم جاء الآن بالصواريخ عابرة القارات، هل يدخل في الرمي ولّا ما يدخل؟
طلبة: يدخل.
الشيخ: يدخل، فكلام النبي عليه الصلاة والسلام عامٌّ ويكون الرمي في كل وقت بحسبه.
المرجع الثالث: (كلام الصحابة رضي الله عنهم لا سيما ذوي العلم منهم والعناية بالتفسير -تعليل- لأن القرآن نَزَل بلغتهم وفي عصرهم، ولأنهم بعد الأنبياء أصدق الناس في طلب الحق وأسلمهم من الأهواء وأطهرهم من المخالفات التي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب) نعم، الله أكبر، بعد أن ننظر في الآية وليس فيها تفسير من كلام الرب عز وجل ولا من كلام النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم نرجع إلى أيش؟
طلبة: إلى أقوال الصحابة.
الشيخ: إلى أقوال الصحابة؛ وعلَّل ذلك (بأن القرآن نزل بلغتهم) ومعلوم أن من نَزَل القرآنُ بلغته فهو أعلم الناس به؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يَخْطُب الناس يوم الجمعة بسورة (ق) سورة (ق)، الآن لو خطبت الناس بسورة (ق) ما يكفي؛ لأنهم لن ينتفعوا بها، غاية ما هنالك أن الآيات التي بها ترقيق للقلوب قد يَبْكُون منها، لكن لا يستفيدون تلك الفائدة في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، إذا قرأ عليهم (ق) كأنما يكون هذا الأمر في عهدنا بخطبة الكلام العادي؛ لأنهم يعرفون المعنى تمامًا، فالقرآن نزل بلغتهم، وكذلك نزل في عصرهم فيعرفون القرائن التي يراد بها المعنى؛ لأن الحوادث تنزل ويعرفون القرائن لهذا.
الآن أقرأ عليكم قول الله تعالى: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة: ١٥٨] لو أن إنسانًا قرأ هكذا لقال: هذا يدل على أن السعي جائز وليس بحرام؛ لقوله فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ، لكن الصحابة يعرفون أن السبب في ذلك أن الناس كانوا يَتَحَرَّجُون من الطواف بينهما فنزلت الآية، إذن فكان لنزول القرآن في عصرهم كان له أثر في معرفة المراد.
(ولأنهم بعد الأنبياء أصدق الناس في طلب الحق) لو سألك سائل: مَنْ أصدق الناس في طلب الحق بعد الأنبياء؟ لقلت: الصحابة ولا شك؛ ولهذا كان يرجع الواحد منهم، ولو كان أكبر واحد في المجتمع إلى قول امرأة أو إلى قول صبي، كان أناس من الأنصار يلومون أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على كونه جاز لعبد الله بن عباس وهو صغير أن يحضر مجالس الكبار، يلومون عمر؛ ليش تأتي بابن عباس، ولا تأتي بأبنائنا؟! فجمعهم ذات يوم وقال لهم: ما تقولون في قول الله تعالى: إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا؟ [النصر: ١ - ٣] قالوا: نقول: إن الله أَمَر نَبِيَّه إذا جاء النصر والفتح أن يسبح بحمده ويستغفره -كلهم قالوا هكذا- فقال: ما تقول يا ابن عباس؟ قال أقول: إن هذا نَعْيُ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؛ يعني: الإشعار بقرب أجله، قال: والله ما فهمت منها إلا ما فهمت شوف الآن رجع إلى قول ابن عباس مع أنه كان قد وافقه من قبل.
فأقول: إن الصحابة هم أشد الناس قَبولًا للحق وإن كان من صغير، ولأنهم أسلمهم من الأهواء، أسلم الأمة مِنَ الأهواء هم الصحابة رضي الله عنهم.
رابعًا: هو الرابع ولّا الخامس؟
طالب: الرابع.
الشيخ: (القرآن نزل بلغتهم وفي عصرهم وهم أصدق الناس في طلب الحق وأسلمهم من الأهواء، هذا الرابع، وأطهرهم من المخالفات التي تحول بين المرء وبين التوفيق للصواب) (المخالفات) يعني: مخالفات أمر الله؛ لأن المعصية، يا إخوانَّا -وانتبهوا لهذه النكتة العظيمة- المعاصي تحول بين الإنسان وبين التوفيق للصواب، اللهم إنا نستغفرك، المعاصي تحول بين الإنسان وبين التوفيق للصواب، والدليل على هذا قول الله تعالى: فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ [المائدة: ١٣] فجمعوا بين التحريف فيما علموه وبين النسيان فيما كانوا يعلمونه من قبل، ليش؟ لأنهم نقضوا الميثاق، وقال الله تعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: ١٠٥، ١٠٦].
قال بعض أهل العلم: إذا نَزَلت بك نازلة فقدِّم بين يدي حَلِّها الاستغفارَ؛ لأن المعاصي تحول بين الإنسان وبين الحق والتوفيق للصواب -اللهم اغفر لنا-، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [المطففين: ١٣، ١٤] فهذا الرجل لم تصل حلاوة القرآن إلى قلبه، بل قال: هذا أساطير الأولين، بَيَّن الله السبب قال بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ، فلم يقدروا القرآن حق قَدْرِه.
ولذلك أمثلة كثيرة جِدًّا منها: قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء: ٤٣] فقد صَحَّ عن ابن عباس رضي الله عنهما -الأحسن أن يقال: عنهما؛ لأن أباه كان صحابيًّا- أنه فَسَّر الملامسة بالجماع، وبعض العلماء فَسَّر الملامسة باللمس باليد، فإلى مَنْ نرجع؟ إلى قول ابن عباس ونقول: المراد بالملامسة الجماع.
وكما أنه قول ابن عباس فهو الذي يؤيده سياق الآية، الآية فيها ذكر الطهارتين الأصلية والبدنية، والكبرى والصغرى، وفيها ذكر الحدثين الأصغر والأكبر، ذكر الطهارتين الأصلية والبدنية؛ الأصلية في قوله فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ [المائدة: ٦] وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا، والبدنية في قوله فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا، الحدث الأصغر والأكبر؛ الحدث الأصغر أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ، الحدث الأكبر أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ.
ولو قلنا: لمستم النساء أي: لامستموهن، فإن ذلك لا يوجب إلا الطهارة الصغرى فمعناه أنه أهمل في الآية ذكر السبب الثاني وهو الحدث الأكبر، وكُرِّر الحدث الأصغر وهذا خلاف البلاغة، ولهذا كان القول الراجح، بل المتعين ما قاله ابن عباس رضي الله عنه في الآية أن المراد بالملامسة الجماع.
خامسًا: يعني: المرجع الخامس (كلام التابعين الذين اعتنوا بأخذ التفسير عن الصحابة رضي الله عنهم، لأن التابعين خير الناس بعد الصحابة) هذا واحد، (وأسلم من الأهواء ممن بعدهم، ولم تكن اللغة العربية تغيَّرت كثيرًا في عصرهم فكانوا أقرب إلى الصواب في فهم القرآن) إذن المراجع كم؟
طلبة: أربعة.
الشيخ: المراجع؟
الطلبة: أربعة.
الشيخ: هذا الرابع (...)، أربعة؛ كلام الله، كلام الرسول، كلام الصحابة، كلام التابعين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إذا أجمعوا، نسيتها اللي بعدها.
الطلبة: (...).
الشيخ: لكن (التابعون)؛ لأن التفسير للواو، أو أن فيها صدقًا، التقدير يعني: (التابعين) لازم تتعدى لهذا أو لهذا.
إذن (...): التابعون، أحسن الخطب الإرادة (...).
(إذا أجمعوا -التابعون- على الشيء فلا يُرتاب في كونه حجة، فإن اختلفوا فلا يكون قول بعضهم حجة على بعض ولا على مَنْ بعدهم ويُرجع في ذلك إلى لغة القرآن أو السنة أو عموم لغة العرب أو أقوال الصحابة في ذلك) ذكر هذا في رسالة له سميت: مقدمة في التفسير، وهي رسالة مختصرة مفيدة جدًّا، وينبغي لطالب التفسير أن يرجع إليها.
وقال أيضًا: من عَدَل عن مذاهب الصحابة والتابعين وتفسيرهم إلى ما يخالف ذلك كان مخطئًا في ذلك، بل مبتدعًا وإن كان مجتهدًا مغفورًا له خطأه، ثم قال: فمن خالف قولهم وفسَّر القرآن بخلاف تفسيرهم فقد أخطأ في الدليل والمدلول جميعًا، إذن المرجع بعد الصحابة إلى أقوال التابعين إذا أجمعوا فلا إشكال في أنه حجة، وإذا اختلفوا اختلف الدليل.
المرجع الخامس: (ما تقتضيه الكلمات من المعاني الشرعية أو اللغوية حسب السياق؛ لقول الله تبارك وتعالى: إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [النساء: ١٠٥]، وقوله: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣]، وقوله: وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ [إبراهيم: ٤]) إذن هذا آخر شيء، تفسير القرآن بما تقتضيه اللغة أو بما يقتضيه الشرع، فإذا اتفق الشرع واللغة فالأمر واضح، وإن اختلفا فمن الذي نقدم؟
طلبة: الشرع.
الشيخ: الشرع؛ ولهذا قال: (فإن اختلف المعنى الشرعي واللغوي أُخذ بما يقتضيه الشرعي؛ لأن القرآن نزل لبيان الشرع لا لبيان اللغة إلا أن يكون هناك دليل يترجح به المعنى اللغوي فيُؤخَذ به) مثال ما اختلف فيه المعنيان وقُدِّم الشرعي قوله تعالى في المنافقين: وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا [التوبة: ٨٤]؛ فالصلاة في اللغة الدعاء، مطلق الدعاء يُسَمَّى صلاة، وفي الشرع قوله هنا احترازًا من الصلاة على غير الجنائز فإن لها معنى شرعيًّا غير هذا، وفي الشرع هنا الوقوف على الميت للدعاء له بصفة مخصوصة، كيف الصفة؟ يقف المصلي عند رأس الرجل وعند عجيزة المرأة؛ يعني: وسطها، هكذا جاءت السنة، ولا فرق بين أن يكون الرأس من الجانب الأيمن أو من الجانب الأيسر، وأما ما يظنه بعض العوام الآن أنه لا بد أن يكون الرأس من الجانب الأيسر فهذا لا صحة له؛ يعني: بعض الناس الآن إذا قدم الجنازة لازم يكون الذي عن يسار الإمام هو الرأس، وهذا ما هو صحيح سواء كان الرأس عن يسار الإمام أو يمين الإمام كله سواء، بل لو أردنا أن نرجع إلى العموم فيما يُفْعل بالميِّت لقلنا: يكون الرأس عن اليمين؛ لأنه في القبر يكون الرأس عن اليمين، لكن نقول: الأمر واسع فيها، وأما ما يعتقده بعض العوام وأشباه العوام من أنه لا بد أن يكون الرأس عن يسار الإمام فهذا لا أصل له، أحببت التنبيه؛ لأن بعض الناس يقول: لازم، حتى عندنا مثلًا إذا قدم الجنازة وكان رأسها نحو اليسار قال: لا، أَدِرْها، ما هو لازم؛ ولذلك أنا أقول للذي يُقَدِّم الجنائز من قبل البلدية أقول: احرص على أن يكون الرأس من الجانب الأيسر علشان أيش؟ من أجل أن يعرف الناس هذا ولا ينكروه.
طلبة: (...).
طالب: يقدمون الأيسر؟
الشيخ: الآن الناس في اعتقادهم لازم يكون هو الأيمن من الجانب الأيمن الرأس، هذا اعتقاد العوام، نحن نقول: لا، من الجانب الأيمن والأيسر كلاهما سواء، المهم أن تقف عند رأسه وعند عجيزة الأنثى.
إذن الصلاة هنا لَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًاهل المعنى لا تدعو لهم؟ لا، لا تقوم عليه مصليًا بالصفة المخصوصة؛ فيُقدَّم المعنى الشرعي؛ لأنه المقصود للمتكلم المعهود للمخاطب، وأما منع الدعاء لهم على وجه الإطلاق فمن دليل آخر، منع الدعاء لهم أي: للكفار على الإطلاق سواء في صلاة أو غيره فمن دليل آخر، ما هو الدليل؟ الدليل قول الله تبارك وتعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا [التوبة: ١١٣].
الطلبة: أَنْ يَسْتَغْفِرُوا..
الشيخ: أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِهذا من القرآن، من السُّنَّة: استأذن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم أعظم الناس جاهًا عند الله وأكرمهم عند الله استأذن ربه أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، فاستأذنه أن يزور قبرها فأذن له فزار قبرها مرة واحدة، ومعه من أصحابه من كان معه وبكى صلوات الله وسلامه عليه وبكى الناس معه وأخبر أنه بكى رحمة بأمه؛ لأنها من أهل النار، ومعلوم أن هذا من جهة الحنان حنان الرحم والقربى لا شك إن الإنسان يبكي أن فات أمه أو أباه الإسلام، فبكى الصحابة معه؛ لأن المشهد مشهد عظيم، لكن هل وقف الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم على قبرها يدعو لها كما لو وقفتَ عند أي قبر من المسلمين؟
طالب: لا.
الشيخ: لا أبدًا، لم يقف لهذا؛ لأنه عليه الصلاة والسلام هو أشدُّ الناس امتثالًا لأمر ربه عز وجل عبد الله ورسول الله، لكنه زار القبر فقط وبكى رحمة لأمه من النار، وهل شفع لها أو لا؟ لا، ما شفع لها، هل شفع لأبيه؟ لا، جاءه رجل قال: يا رسول الله، أين أبي؟ قال: «أَبُوكَ فِي النَّارِ»، هكذا صراحة، فلما قفَّى الرجل ناداه وقال له: «أَبِي وَأَبُوكَ فِي النَّارِ» حتى يُسَلِّيَه، ولا يمكن أن الرسول قال ذلك كذبًا لأجل تسلية الرجل، بل نشهد بما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام أن أباه في النار، والحمد لله ما في شيء إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات: ١٣]، أبو طالب قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» فنهاه الله، لكن هل أذن له أن يشفع فيه؟ نعم أذن له أن يشفع فيه، فكان في ضَحْضَاحٍ من نار، عليه نعلان يَغْلِي منهما دماغُه -أعوذ بالله- خُفِّفَ عنه، فإذا قال قائل: لماذا أُذِنَ له أن يشفع في عمه دون أبيه وأيهما أحق؟
طالب: أبيه.
الشيخ: الأب أحق لكن الرب عز وجل لا يَقْرب أحد عنده بالنسب، بل إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْأُذن له أن يشفع لعمه؛ لأن عمه نصره ودافع عنه وحُصِر معه في شعب (...)، وصبر على أذى قريش، وأعلن في قصائده المشهورة أن الرسول حق عليه الصلاة والسلام قال:

وَلَقَدْ عَلِمْتُ بِأَنَّ دِينَ مُحَمَّدٍ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دَينَا
لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حِذَارُ مَسَبَّةٍ لَرَأَيْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِيــــنَا

وقال:
لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ لَدَيْنَا................

سبحان الله، الله أكبر، سبحان مقلب القلوب، إذن فهو صادق ولّا غير صادق؟
الطلبة: صادق.
الشيخ: صادق.
........... لَا مُكَذَّبٌ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِ الْأَبَاطِلِ

هذا كلام حصل به من الذَّوْد عن الرسول عليه الصلاة والسلام وحمايته ونصره ما حصل من ذلك؛ لهذا أذن الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يشفع لعمِّه شفاعة ليست لإخراجه من النار، لكن لتخفيف العذاب عنه؛ لأنه ذَبَّ عن دين الإسلام وعن رسول الإسلام، لا لأنه عَمُّ الرسول، عَمُّ الرسول الثاني أنزل الله فيه أيةً يُتقرَّب إلى الله تعالى بتلاوتها وتُقْرَأ في الصلوات، ما هي أية، سورة كاملة تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [المسد: ١]؛ لأنه ما فيه خير، ولا ناصَرَ الرسول عليه الصلاة والسلام، بل قام ضد دعوته.
فالمهم نحن أطلنا في هذا ليتبين أن الأمر أمر الله، وأن الله لا ينظر إلى الأنساب ولا إلى القرابات، وكفى بذلك عِزًّا وسلطانًا لرب العالمين أن يكون ابن الكافر نبيًّا، إبراهيم عليه الصلاة والسلام أبوه كافر ولَّا مسلم؟
الطلبة: كافر.
الشيخ: كافر، حتى إنَّ ابنه لما أَمَرَه بالتوحيد قال: لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِأيش؟ لَأَرْجُمَنَّكَ [مريم: ٤٦] بالحجارة، والعجب من بعض الناس سبحان الله العظيم يقولون: إن هذا عم إبراهيم وليس أباه؛ لأن العم يطلق عليه أب كما في قوله تعالى: وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ [يوسف: ٣٨] وهم إسحاق ويعقوب؟
طلبة: أعمامه.
الشيخ: أعمامه هو، قال: نعم إذا جاء عن طريق الاشتراك لا بأس، لكن أما أن يُسَمَّى العم أبًا ويُصرَّح به فهذا كذب على اللغة العربية، ما هو صحيح، وما يضرنا نحن إذا كان أبو إبراهيم كافرًا أو أبو محمد كافرًا، أيش يَضُرُّنا؟ هل يضرنا شيء؟ هل يضر الرسول شيئًا؟ أبدًا، بل هو مما يدل على عظمة الله عز وجل أنه يخرج أصفياء الخلق من أراذل الخلق في الكفر، لكن الحمد لله مسألة الخنا والأخلاق السافلة هذا لا يوجد -ولله الحمد- لا في إبراهيم ولا في محمد عليه الصلاة والسلام، يعني أنه ليس فيهم من تجرأ على الزنا والعياذ بالله أبدًا، هم طاهرون مُطَهَّرون مِنْ هذه الناحية، لكن مسألة الكفر والإيمان لا، الآن لو قلت لإنسان: يا كافر كم تُحَدُّ؟ كم من جلدة تُحَدُّ؟
الطلبة: (...).
الشيخ: هو مسلم، ما هو كافر، لكن قال له: يا كافر.
الطلبة: (...).
الشيخ: (...) علينا بالنسبة لنا نحن، كم نَحُدُّه؟ لا حد فيه، يضرب جلدات تردعه عن هذا القول لكن لو قال: يا زان؟
طلبة: (...).
الشيخ: ولم تقم البينة يُجْلد ثمانين جلدة؛ لأن عيب الناس بالزنا أغلظ وأعظم من عيبهم بالكفر، على كل حال نرجع بالتفسير إلى ما يقتضيه أيش؟
طالب: الشرع.
الشيخ: إذا اختلف الشرع واللغة رجعنا إلى المعنى الشرعي.
طيب يقول: (ومثال ما اختلف فيه المعنيان وقُدِّم فيه اللغوي بالدليل قوله تعالى: خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٣] صَلِّ عَلَيْهِمْ) يعني؟
الطلبة: ادعُ لهم.
الشيخ: ادعُ لهم.
(فالمراد بالصلاة هنا: الدعاء بدليل ما رواه مسلم عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أُتِي بَصَدَقَةِ قومٍ صَلَّى عليهم، فأتاه أبي بصدقته فقال: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» ) اللهم صلِّ وسلم على رسول الله؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أشدُّ الناس امتثالًا لأمر الله، إذا جاءه الناس بصدقتهم قال: اللهم صلِّ عليهم، امتثالًا لأمر الله، لم يقل دعاء آخر، ما قال: اللهم أخلف على من أنفق، أخلف الله عليك ما أنفقت، وبارك لك فيما أبقيت، وجعله لك طهورًا، ما يقول هكذا، يقول: اللهم صلِّ عليه؛ لأن الله قال: صَلِّ عَلَيْهِمْ، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يكون دعاؤه مطابقًا للفظ النص.
(وأمثلة ما اتفق فيه المعنيان الشرعي واللغوي كثيرة كالسماء والأرض والصدق والكذب والحجر والإنسان) السماء معناها في اللغة؟
طلبة: العلو.
الشيخ: العلو، وقد يراد به السماء التي هي السقف المحفوظ، وكذلك في الشرع قال الله تعالى: أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ [الملك: ١٦] المراد العلو، وقال تعالى: وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا [الأنبياء: ٣٢] المراد؟
طالب: السماء المحفوظة.
الشيخ: السماء المبنية، وقال تعالى: وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ [الذاريات: ٤٧]، وقال تعالى: أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا [النازعات: ٢٧] المراد بها السماء التي هي السقف المحفوظ.
الاختلاف الوارد في التفسير المأثور
00:32:22

قال: (الاختلاف الوارد في التفسير المأثور على ثلاثة أقسام) كيف التفسير المأثور؟ هل هناك تفسير مأثور وتفسير بالعقل والنظر؟
الجواب: نعم ما فيها شك، فإمام المفسرين بالمأثور هو ابن جرير رحمه الله، وسيأتي إن شاء الله الكلام على مؤلفيه، قال: الاختلاف الوارد في التفسير المأثور على ثلاثة أقسام؛ (الأول: اختلاف في اللفظ دون المعنى، فهذا لا تأثير له في معنى الآية)؛ لأن الاختلاف في اللفظ مع اتفاق المعنى لا تأثير له؛ لأن كلا القولين قول واحد، ولا خلاف.
(مثاله: قوله تعالى: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: ٢٣] قال ابن عباس: قَضَى: أَمَر ، وقال مجاهد: وصَّى ، وقال الربيع بن أنس: أوجب ). كم من قول؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: طيب، هل تختلف؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا، أمر ووصى وأوجب، الأمر الأصل فيه الوجوب، الأمر وصية من الله عز وجل، فنقول: هذا الاختلاف لا يَضُرُّ.
(وهذه التفسيرات معناها واحد أو متقارب فلا تأثير لهذا الاختلاف في معنى الآية.
الثاني: اختلاف في اللفظ والمعنى، والآية تحتمل المعنيين لعدم التضادِّ بينهما؛ فتُحمَل الآية عليهما وتفسَّر بهما، ويكون الجمع بين هذا الاختلاف أن كل واحد من القولين ذكر على وجه التمثيل لما تعنيه الآية أو التنويع)
، الآن الاختلاف هنا ويش؟ في اللفظ والمعنى، لكن الآية تحتمل المعنيين، لعدم التضاد بينهما.
مثال ذلك: (قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ[الأعراف: ١٧٥، ١٧٦]).
قوله: فَانْسَلَخَ مِنْهَايعني: تخلَّى كما ينسلخ جلد الشاة عنها عند سلخها.
فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُأي: اتبعه، (أتبعه) بمعنى: اتبعه.
فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (١٧٥) وَلَوْ شِئْنَايقول الله عز وجل: لَرَفَعْنَاهُ بِهَا؛ لأن الله تعالى يرفع بآياته قال الله تعالى: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ [المجادلة: ١١]، وقال الشاعر:
العِلْمُ يَرْفَعُ بَيْتًا لَا عِمَادَ لَهُ وَالْجَهْلُ يَهْدِمُ بَيْتَ الْعِزِّ وَالشَّرَفِ

فالله تعالى يرفع بالعلم أقوامًا ويضع آخرين، والرفعة تكون في الدنيا وفي الآخرة، أو في الآخرة دون الدنيا أحيانًا لا يقدر الله عز وجل للإنسان رفعة في الدنيا لكن يكون له رفعة في الآخرة، وربما يضع به آخرين يكون العالم من المغضوب عليهم والعياذ بالله، من الذين علموا الحق ولكن اشتروا به ثمنًا قليلًا.
(قال ابن مسعود: هو رجل من بني إسرائيل ، وعن ابن عباس: أنه رجل من أهل اليمن ، وقيل: رجل من أهل البلقاء) في الشام، كم من الأقوال؟
طلبة: ثلاثة.
الشيخ: هل بينها تنافٍ؟ أبدًا، الآية تحتمل المعنى، فهنا من بني إسرائيل، وبنو إسرائيل قد يكون في اليمن، قد يكون في الشام، قد يكون في مصر، نعم من أهل اليمن غير أهل الشام البلقاء، الاختلاف واضح، لكن نقول: الآية تعم هذا وهذا، وكلما وجدت اتساعًا للمعنى في الآية فَخُذْ به حتى بما هو متضاد، قال الله تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ [التكوير: ١٧، ١٨] (عسعس) يعني: أقبل أو يعني: أدبر، ألا يمكن أن نقول: بمعنى أقبل وأدبر؟ يمكن؛ لأنه لا منافاة.
(والجمع بين هذه الأقوال أن تُحمل الآية عليها كلها؛ لأنها تحتملها من غير تضاد، ويكون كل قول ذكر على وجه التمثيل) فيقال: إن ابن مسعود رضي الله عنه بلغه ذلك عن رجل من بني إسرائيل، وابن عباس بلغه عن رجل من اليمن، والقول الثالث أنه رجل من أهل البلقاء.
(ومثال آخر: قوله تعالى: وَكَأْسًا دِهَاقًا [النبأ: ٣٤] قال ابن عباس: دهاقًا: مملوءة ، وقال مجاهد: متتابعة ، وقال عكرمة: صافية ) المعاني مختلفة لا شك وَكَأْسًا دِهَاقًايعني: أهل الجنة يشربون كأسًا دهاقًا، ما معنى دهاقًا؟
طلبة: مملوءة.
الشيخ: مملوءة، هذا قول.
طالب: متتابعة.
الشيخ: متتابعة؛ يعني: كلما شربوا كأسًا جيء إليهم بآخر، وقال عكرمة: صافية، (ولا منافاة بين هذه الأقوال، والآية تحتملها، فتُحْمَل عليها جميعًا، ويكون كل قول لنوع من المعنى).

***

طالب: قوله وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُهنا مكتوب عندنا: أتيناه.
الشيخ: آتيناه.
يقول: إن الصوفية قد عبَّدوا طريقًا إلى قبرٍ بين مكة والمدينة فوق رأس جبل من أجل زيارته، ويزعمون أنه قبر أمه؟
سمعت أنه مطين، ولا تُثَبِّتْ عن الخرافيين، فنحن نقول: لنفرض أن هذا قبر آمنة يقينًا، فهل تسن زيارته، أجيبوا؟
الطلبة: لا.
الشيخ: لا؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ما زاره بعد هذا، ثم إن الرسول لم يزره إلا بإذن من الله، ومن الذي يدعي أن الله أذن له أن يزوره؟
لو ادَّعى أي إنسان قال: والله رأيت ربي في المنام على أحسن صورة، فاستأذنت أن أزور قبر سيد الخلق فقال له: زره ولا جناح عليك، نطيعه ولّا ما نطيعه؟
طلبة: ما نطيعه.
الشيخ: لا نطيعه، فإذن هو غير معلوم في الواقع، لكن على فرض أنه معلوم، لا نزوره؛ لأن الرسول ما عاد إليه مرة أخرى، والصحابة ما زاروه، ولا شك أنهم أحق الناس برسول الله صلى الله عليه وسلم لم يزوره كيف نحن نزوره؟
ولا يُزار قبرُ الرسول عليه الصلاة والسلام إلا بعد استئذان الله، وإذا أذن الله لرسوله لقربه منها فهل أذن لنا؟ لا، لم يأذن، وهذا نظير قول الخرافيين: إن مولد الرسول عليه الصلاة والسلام في مكان قرب الصفا في مكة يُسَمُّون هذا دار المولد، هذا أيضًا كذب لا صحة له، وقد حقق حَمد بن جاسر الأستاذ المعروف أنه لا يعلم أين ولد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الناس اختلفوا هل ولد في مكة أو في عُسفان؟ هذا خلاف ثم الذين قالوا: وُلِد بمكة، اختلفوا هل هذا مكانه أو في الشِّعب أو في مكان آخر، عدّد أربعة أمكنة، هذه المسائل ما فيها علم يقين ولا ظن.
الآن كلنا نعرف أنهم يقولون: إن مولد الرسول صلى الله عليه وسلم في ربيع الأول ليلة اثنى عشر، هل هذا صحيح؟ أبدًا فيه ستة أقوال في يوم ولادته، وحقق أحد العلماء الفلكيين المصريين أنه كان في اليوم التاسع من ربيع الأول لكن نعلم أنه ولد يوم الاثنين، تعيين اليوم نعلمه من كلام الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث قال: لما سئل عن صوم يوم الاثنين قال: «ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ، وَبُعِثْتُ فِيهِ، وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ» .
والعجيب أن أهل المولد الخرافيين هؤلاء استدلوا بهذا الحديث على إقامة احتفال المولد، هل فيه دلالة؟ نقول: إن كنتم صادقين في الاستدلال والاتباع فصوموا يوم المولد، الرسول لم يجعل له مَزيَّة إلا الصوم.
فالمهم أن عليكم مسؤولية أنتم طلبة العلم أن تُبَيِّنُوا للناس بدون مجابهة أنَّ هذه الأشياء لا حقيقة لها، وأنها لطول الأمد حدثت هذه البدع، وصارت هي السنة عند كثير من الناس، والبدع ما يخالفها.
الطالب: هل يجوز أن تقول لمن أتى بصدقة أن تقول له: اللهم صلِّ على آل فلان؟
الشيخ: إي نعم تقول: اللهم صلِّ عليه، لكن خشيت إن قلت: اللهم صل عليه، بكرة يقول: أنا نبي، إن خشيت هذا لا تقول له ها الكلام، ادعُ الله تعالى بالدعاء وإن لم يطابق لفظ الآية، لأن المقصود صَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة: ١٠٣] ادعُ لهم فهمت؟
طالب: شيخنا، بالنسبة للمتأخرين الذين فَسَّروا بعض الآيات أو أخرجوا منها فوائد هل يستأنس بجمع العلماء أو إذا؟..
الشيخ: بجمع العلماء؟! ويش هو جمع العلماء؟
الطالب: جمع المفسرين.
الشيخ: هذا يأتينا إن شاء الله تعالى في التفسير، أستغفر الله وأتوب إليه، سبحانك اللهم ربنا وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.

***

طالب: والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال المصنف حفظه الله تعالى:
الاختلاف الوارد في التفسير المأثور
القسم الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى، والآية لا تحتمل المعنيين معًا في التضاد بينهما، وتُحمَل الآية على الأرجح منهما بدلالة السياق أو غيره؛ مثال ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١١٥]؛ قال ابن عباس: غَيْرَ باغٍ في الميتة، ولا عادٍ في أَكْلِهِ ، وقيل: غَيْرَ خارج على الإمام ولا عاص بسفره، والأرجح الأول بأنه لا دليل في الآية على الثاني؛ ولأن المقصود بحل ما ذكر دفع الضرورة، وهي واقعة في حال الخروج على الإمام، وفي حال السفر المحرم وغير ذلك، ومثال آخر قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة: ٢٣٧] قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ [البقرة: ٢٣٧]: هو الزوج ، وقال ابن عباس: هو الوَلِيُّ ، والراجح الأول في دلالة المعنى لعلِيٍّ؛ ولأنه قد رُوِيَ فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، قال المؤلف رحمه الله تعالى: (القسم الثالث: اختلاف اللفظ والمعنى والآية لا تحتمل المعنيين) جميعًا، يعني معناها: أن التفاسير الواردة تختلف في اللفظ والمعنى، والآية لا يمكن أن تحتمل المعنيين جميعًا، فماذا نصنع؟
يقول: (فتُحمل الآية على الراجح منهما لدلالة السياق أو غيره) ويُلْغَى الثاني؛ لأن الجمع غير ممكن والآية لا تحتمل المعنيين جميعًا.
(مثال ذلك قوله تعالى: إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [النحل: ١١٥]) إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَالميتة يستثنى منها ما ميتته طاهرة كالسمك والجراد، والدم يستثنى منه ما يبقى في اللحم والعروق بعد الذكاة الشرعية فإنه حلال، وعلى هذا فلو شق القلب بعد أن ذكَّاها ذكاة شرعية وأكل الدم الذي فيه فهو حلال، وفي الحديث: «أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ، أَمَّا الدَّمَانِ: فَالْكَبِدُ وَالطِّحَالُ، وَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ» ، طيب، ولحم الخنزير لا يستثنى منه شيء؛ كله لحمه عصبه شحمه جلده كله حرام.
وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِأي: ما ذكر اسم غير الله عليه، مثل أن يقول: بسم المسيح، بسم محمد، بسم جبريل، بسم الرئيس وما أشبه ذلك هذا حرام.
فَمَنِ اضْطُرَّأي: ألجأته الضرورة لأكل هذه المحرمات، غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌيعني: فإن الله يغفر له وليأكل، وليأكل ما يَسُدُّ رمقه أي: ما تبقى به الحياة، ولا يزيد إلا أن يخافا ألا يجد هذا المحرم فلا بأس أن يزيد على ما يَسُدُّ رمقه.
وقوله: فَمَنِ اضْطُرَّهذه في قضية معينة، لكن هناك آية عامة وهي قوله تعالى: وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [الأنعام: ١١٩] هذه تقضي على كل المحرمات إذا اضطر الإنسان إليها صارت حلالًا، قال ابن عباس رضي الله عنهما: غير باغٍ في الميتة، ولا عاد في أكله؛ يعني: غير باغ أي: غير طالب لأكل الميتة، وإنما أكلها للضرورة، ولا عادٍ في أكله يعني: زائد على ما تقضيه الحاجة، هذا تفسير ابن عباس، وإذا أتاك التفسير عن ابن عباس، وصح عنه فحسبك به؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم دعا له أن يعلمه الله التأويل.
(وقيل: غير خارج على الإمام ولا عاص بسفره) غَيْرَ بَاغٍأخذوه من البغاة الذين يخرجون على الإمام، وَلَا عَادٍأي: عاص في سفره، وهذا القول ضعيف.
(والأرجح الأول لأنه لا دليل في الآية على الثاني)؛ لأن البغاة وجودهم نادر فلا تُحمل الآيات على الشيء النادر القليل الوقوع؛ لأنه لا دليل في الآية على الثاني، ولأن المقصود بحل ما ذكر دفع الضرورة أفهمتم؟ وهي واقعة في حال الخروج على الإمام، وفي حال السفر المحرَّم وغير ذلك يعني، وفي غير ذلك، فهذا هو الصواب.
إذن غَيْرَ بَاغٍ: غير طالب لأكل الميتة ولا متجاوز للحد الذي تندفع به الضرورة.
فإن قال قائل: هل يُعْقَل أن إنسانًا يطلب أكل الميتة.
نقول: نعم، ربما أنه ليس بذلك الضرورة؛ ليس عنده الضرورة التي يخاف أن يموت لو لم يأكل، أو قد تكون الميتة شابة صغيرة سمينة فتشتاق نفسه إلى هذا، ممكن هذا.
طيب الذين يقولون: إن المراد (غير عاد) أي: غير عاص في سفره، إذا كان الإنسان عاصيًا بسفره، مثل أن يكون: سافر لشرب الخمر، سافر للزنا، سافر للملاهي، هذا عاص بسفره فاضطر إلى الأكل، قال: إن لم آكل مِتُّ، فماذا يقال له؟ هل يقال: مت، قالوا: نقول له: تُب، ثم كُلْ، إن تاب هل تصح هذه التوبة التي ألجأت إليها الضرورة؟ في هذا نظر، فلا تنفعه التوبة.
على كل حال متى اضطر الإنسان إلى أكل هذه المحرمات أكل، سواء كان عاصيًا بسفره، أو خارجًا على الإمام، أو غير ذلك.
(مثال آخر قوله تعالى: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة: ٢٣٧]) يعني: في الصداق، الخطاب للأزواج، إِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّوضمير الغيبة للنساء، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةًما هذه الفريضة، أجيبوا.
طلبة: (...).
الشيخ: الصداق فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْلكم أو عليكم؟
طلبة: عليكم.
الشيخ: يصلح هذا وهذا؛ لأنه إذا كان النصف له فالنصف على الزوجة، أو النصف عليه فالنصف للزوجة، إذن يصلح أن نقدِّر الخبر: (فلكم نصف ما فرضتم أو فعليكم نصف ما فرضتم)، لكن إِلَّا أَنْ يَعْفُونَيرجح أن التقدير: (فعليكم نصف ما فرضتم إلا أن يعفون) من هو؟
طلبة: النساء.
الشيخ: النساء، وعلى هذا فالنون هنا ضمير ليست علامة إعراب، فلا يُشكل عليك أن تقول: لماذا لم تحذف النون لوجود (أن)؟ نقول: لأن النون هذه ليست علامة إعراب، وإنما هي ضمير.
إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِيعني: فإن عَفَوَن فلكم المهر كله، لكن مَنِ الذي بيده عقدة النكاح؟
(قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ: هو الزوج ، وقال ابن عباس: هو الولي ) كلاهما ناهيك به علمًا وفقها وعُمقًا في العلم، فمن الذي نرجح؟ نرجح ما دل عليه السياق؛ وهو أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج، الذين قالوا: إنه الزوج؛ قالوا: لأن الزوج هو الذي يستطيع أن يطلق فيحل العقدة، والذين قالوا: إنه الولي؛ قالوا: إنه لا يمكن أن يتزوجها إلا إذا عقد له الولي وأوجب النكاح، وقال: زوجتك، ولكلٍّ وجهة نظر، لكن الراجح أن المراد به الزوج؛ لأنه في مقابل يَعْفُونَوهن الزوجات، ولأن الولي قد لا يكون له الحق أن يُسقط حق المرأة، يعني لو فرضنا هذا ممكنًا في الأب لم يكن ممكنًا في ابن العم مثلًا، ابن العم لا يملك أن يُسقط حق المرأة في صداقها، فسار تفسير علي بن أبي طالب أرجح من وجهين: الوجه الأول: التقابل إِلَّا أَنْ يَعْفُونَمَنْ هن؟
طالب: الزوجات.
الشيخ: الزوجات، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِيعني: الزوج، يكون هذا مقابل هذا، يرجحه أيضًا أن الولي لا يملك أن يسقط حق الزوجة في الصداق إلا أن يكون الأب على خلاف في هذا أيضًا، فالصواب إذن إِلَّا أَنْ يَعْفُونَفإذا عَفَوْن؟
الطلبة: (...).
الشيخ: إِلَّا أَنْ يَعْفُونَأي: الزوجات، فإذا عَفَوْنَ؟
الطلبة: (...).
الشيخ: فله الصداق كله، يعود على الزوج، أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِهو الزوج، فللزوجة الصداق كله.
(والراجح الأول؛ لدلالة المعنى عليه، ولأنه قد رُوِيَ فيه حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم) أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج .

***

ترجمة القرآن
00:56:34

ترجمة القرآن، أردفنا التفسير بالترجمة؛ لأن الترجمة في الحقيقة التفسير.
يقول: (الترجمة لغة: تطلق على معانٍ ترجع إلى البيان والإيضاح) إذن هي قريبة مِن؟
طلبة: التفسير.
الشيخ: من التفسير، فهما رضيعا لبان واحد.
وفي الاصطلاح: التعبير عن الكلام بلغة أخرى، مثال ذلك أن يُترجم عربي اللغة عربية إلى أيش؟ الفارسية مثلًا، هذه ترجمة، أو فارسي ينقل اللغة الفارسية إلى؟
الطلبة: العربية.
الشيخ: العربية، هذه ترجمة.
(وترجمة القرآن التعبير عن معناه بلغة أخرى) هذه ترجمة القرآن أن يُعَبَّر عن معناه، ما هو عن لفظه بلغة أخرى.
(والترجمة نوعان أحدهما: ترجمة حرفية؛ وذلك بأن توضع ترجمة كل كلمة بإزائها) مثل: قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ [المائدة: ١١٩]؛ يترجم قَالَلفظ الجلالة هَذَايَوْمُ يَنْفَعُالصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْكل كلمة يترجمها نفسها.
يقول: (الثاني: ترجمة معنوية أو تفسيرية) يعني: سَمِّها معنوية أو تفسيرية.
(وذلك بأن يُعَبَّر عن معنى الكلام بلغة أخرى من غير مراعاة المفردات والترتيب؛ مثال ذلك: قوله تعالى: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الزخرف: ٣]) إِنَّا جَعَلْنَاهُيعني: القرآن، قُرْآنًاأي: مقروءًا أو قارئًا بمعنى جامع؛ عَرَبِيًّا: بلغة العرب، لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَأي: لأجل أن تعقلوه وتفهموه، استدلت الجهمية بهذه الآية على أن القرآن مخلوق، وجعلوا لهذا نظيرًا، وهو قوله: وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ [الأنعام: ١] أي: خلق الظلمات والنور، ولكنهم أخطؤوا؛ لأنهم لا يعرفون اللغة العربية، لأن (جَعَل) المتعدي للاثنين بمعنى: (صَيَّر) لا غير، والمتعدي لواحد بمعنى أوجد، في الآية الكريمة: جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّامتعديًّا؟
طالب: لاثنين.
الشيخ: لاثنين ولّا لواحد؟
الطلبة: لاثنين.
الشيخ: لاثنين؛ إذن معنى جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّاأي: صيَّرناه قرآنًا عربيًّا أي: بلغة العرب، لكن جَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَبمعنى: أوجد الظلمات والنور؛ لأنها لم تتعدَّ إلا لواحد.
(فالترجمة الحرفية: أن يترجم كلمات هذه الآية كلمة كلمة، فيترجم إِنَّا، ثم جَعَلْنَاهُ، ثم قُرْآنًا، ثم عَرَبِيًّا، وهكذا، والترجمة المعنوية؛ يعني: يترجم معنى الآية كلها، بقطع النظر عن معنى كل كلمة وترتيبها، وهي قريبة من معنى التفسير الإجمالي).
فهنا نقول في الترجمة المعنوية: يخبر الله عز وجل أنه جعل القرآن بلغة العرب من أجل أن يعقله العرب، هذه الترجمة، ترجمها لنا (يا محمد) بلغتك، ندور واحد إنجليزي يعرف إنجليزي يمكن يترجمها باللغة الإنجليزية ترجمة معنوية.
طالب: معنوية يا شيخ؛ يعني أقول يا شيخ بلغتي؟
الشيخ: بلغتك.
الطالب: إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(...) قُرْآنًا(...) لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ..
الشيخ: وتَعْقِلُونَما ترجمتها؟
الطالب: لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ(...).
الشيخ: ويش معنى (تعقلون) عندك؟
الطالب: (...) يا شيخ.
الشيخ: كيف (...)؟
الطلبة: (...).
الشيخ: (...).
الطالب: (...).
الشيخ: طيب، اللغة الإنجليزية تَعرف؟ يلا ترجِمْها معنويًّا.
الطالب: (...).
الشيخ: (...)، على كل حال، الترجمة المعنوية -شوف، لاحظْ- قد تكون أطول من المترجَم، وقد تكون أقصر؛ ولهذا أحيانًا عندما يتكلم الإنسان بمحاضرة وغيرها، ثم يأتي المترجم بعده، أحيانًا يشك في أنه ترجم الكلام؛ لأنه في اللغة العربية يقرأ حوالي سطر، ثم ذاك يأتي بها بكلمة، تقول: هل ترجمت؟ قال: نعم، ترجمت تمامًا، ليش؟ لأنها ما تتطابق الكلمات.
حكم ترجمة القرآن
01:02:33

يقول: أما حكم الترجمة؛ ترجمة القرآن: (الترجمة الحرفية بالنسبة للقرآن الكريم مستحيلة عند كثير من أهل العلم؛ وذلك لأنه يشترط في هذا النوع من الترجمة شروط لا يمكن تحققها معها).
انتبه، يعني الآن تقسيمُ العلماء الذين يتكلمون في أصول التفسير الترجمةَ إلى حرفية ومعنوية هو تفسير فكري نظري لا واقعي؛ لأن الترجمة الحرفية مستحيلة في القرآن الكريم، لا يمكن، فهي مستحيلة واقعًا، محرمة شرعًا، يقول: (لأنه يشترط في هذا النوع من الترجمة شروط لا يمكن تحققها معها، وهي:
أولًا: وجود مفردات في اللغة المترجم إليها بإزاء حروف اللغة المترجم منها)
، وهذا متوفر؟
طالب: لا.
الشيخ: لا، قد يكون في بعض اللغات حروف مفقودة، حروف اللغة العربية كم؟ ثمانية وعشرون حرفًا، قد يكون في بعض اللغات أقل من هذا أو أكثر، فإذن الترجمة الحرفية لا يمكن.
(ثانيًا: وجود أدوات للمعاني في اللغة المترجم إليها مساوية أو مشابهة للأدوات في اللغة المترجم منها) أيضًا هل كل أدوات الاستفهام الموجودة في اللغة العربية موجودة في اللغات الأخرى؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، الذين يعرفون اللغات يقولون: لا، وقد يكون هناك أدوات أخرى لا توجد في اللغة العربية.
(ثالثًا: تماثل اللغتين المترجم منها وإليها في ترتيب الكلمات حين تركيبها في الجمل والصفات والإضافات) تختلف اللغات أو لا؟
الطلبة: تختلف.
الشيخ: في اللغة غير العربية المضاف والمضاف إليه، ما الذي يُقَدَّم؟
الطلبة: المضاف إليه.
طالب: (...) المضاف والمضاف إليه (...).
الشيخ: لكن مثلًا أنا أذكر وأنا صغير (جاز خانه) ويش؟ مُجمع الجاز، وأصله يقولون: (خانة جاز)، لكن اختلف التفسير، فاللغات لا تتفق في ترتيب الكلمات في باب الإضافة، في باب الصفة، في باب الفاعل، في باب نائب الفاعل، وما أشبه ذلك.
(وقال بعض العلماء: إن الترجمة الحرفية يمكن تحققها في بعض آية أو نحوها، ولكنها -وإن أمكن تحققها في نحو ذلك- محرمة) يعني: لو أمكنت وقوعًا فهي محرمة شرعًا.
(لأنها لا يمكن أن تؤدي المعنى بكماله، ولا أن تؤثر في النفوس) كتأثير أيش؟
الطلبة: اللغة العربية.
الشيخ: (ولا تؤثر في النفوس تأثير القرآن العربي المبين، ولا ضرورة تدعو إليها للاستغناء عنها بالترجمة المعنوية)، إذن الترجمة الحرفية مستحيلة وقوعًا، محرمة؟
الطلبة: شرعًا.
الشيخ: شرعًا، وإن قبلنا قول من يقول: إنها تمكن في الآية القصيرة أو في بعض الآية، نقول: لكنها محرمة شرعًا؛ لأنه في الواقع يفوت الإعجاز، ولا تؤثر في النفوس كتأثير القرآن باللغة العربية.
(وعلى هذا: فالترجمة الحرفية إن أمكنت حسًّا في بعض الكلمات فهي ممنوعة شرعًا، اللهم إلا أن يترجم كلمة خاصة بلغة من يخاطبه ليفهمها من غير أن يترجم التركيب كله، فلا بأس) وهذه سهلة، لو ترجم بلغة المخاطب لا بأس.
(وأما الترجمة المعنوية للقرآن فهي جائزة في الأصل)، الأصل فيها؟
طالب: جائزة في الأصل.
الشيخ: (فهي جائزة في الأصل؛ لأنه لا محظور فيها، وقد تجب) الترجمة المعنوية متى؟ (حين تكون وسيلة إلى إبلاغ القرآن والإسلام لغير الناطقين باللغة العربية)، إذا كانت وسيلة إلى ذلك صارت واجبة؛ لأن إبلاغ الإسلام والقرآن واجب، وما لا يتم الواجب إلا به؟
الطلبة: فهو واجب.
الشيخ: فهو واجب، (...).
قال: (لأن إبلاغ ذلك واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، لكن يُشترط لجواز ذلك شروط؛ الأول: ألا تُجعل بديلًا عن القرآن بحيث يُستغنى بها عنه)، وهذا مهم؛ يعني: ما نترجم القرآن ترجمة معنوية ولا نكتب القرآن باللغة العربية؛ لأننا لو فعلنا ذلك لكانت بدلًا عن القرآن بالنسبة للناطقين بهذه اللغة، وهذا ضرره عظيم.
(وعلى هذا: فلا بد أن يكتب القرآن باللغة العربية وإلى جانبه هذه الترجمة تكون كالتفسير له.
الشرط الثاني: أن يكون المترجِم عالمًا بمدلولات الألفاظ في اللغتين المترجَم منها وإليها، وما تقتضيه حسب السياق)
، وهذا أيضًا مهم، لا بد أن يَعرف المعنى في اللغتين حتى يستطيع أن ينقل المعنى من هذه اللغة إلى هذه اللغة.
(الشرط الثالث: أن يكون عالمًا بمعاني الألفاظ الشرعية في القرآن)، مثل أن يعلم معنى الصلاة، معنى الطهارة، معنى الزكاة، وما أشبه ذلك؛ لئلا يترجم هذه المعاني بمقتضى اللغة العربية، فيَضِل ويُضِل.
(ولا تُقبل الترجمة للقرآن الكريم إلا من مأمونٍ عليها، بحيث يكون مسلمًا مستقيمًا في دينه).
فالكافر لا تُقبل ترجمته ولا كرامة له، أيضًا غير المستقيم في الدين الذي لا يبالي لا تُقبل ترجمته، بل لا بد أن يكون مسلمًا مستقيمًا في دينه؛ لأن مَنْ لا يؤمن لا يمكن أن نُلْقي إليه بالشريعة.
ومن المصادفة في هذا: أنني كنت ذات سنة من السنوات في مطار جدة، وحولي أناس كثيرون من النيجريين، والنيجريون بعضهم هوساويون وبعضهم نوربوين، وكنت أتكلم باللغة العربية، أنا لا أعرف غير اللغة العربية، معي الأصل، كنت أتكلم فدخل ذلك الرجل هيئته هيئة شيخ، ووجهه وجه طيب، وقال له: إن القوم لا يعرفون لغتك، هل تأذن لي أن أترجم؟ قلت: طيب، جزاك الله خيرًا، هذا حُسن النية، فجعل يترجم، وإذا برجل آخر يدخل المسجد من خارج المسجد، وقال لي: هذا الرجل الذي يترجم لك إذا قلت كلمة قال ضدها؛ تدعو للتوحيد وهو يدعو إلى؟
الطلبة: الشرك.
الشيخ: الشرك، تدعو إلى السُّنَّة وهو يدعو للبدعة، ويتخذ من كلامك هذا حجة لهؤلاء القوم الذين لا يفهمون اللغة العربية، فأنا تحيرت ماذا أصنع؟ فقلت: إذن، لا أنت ولا هو، أتكلم باللغة العربية، فمن فهم فذاك، ومن لم يفهم فلسنا مكلَّفين به؛ لأن مشكلة هذه، الأول أمنته؛ لأنه ظاهر بمظهر جيد جدًّا هيئة، وأتخيله أنه رجل طيب، لكن سبحان الله!
طالب: أحدهما يكذب.
الشيخ: أحدهما كاذب، لا بد، لكن من هو؟ الله أعلم.
على كل حال، الشاهد على أنه لا تقبل الترجمة إلا من مأمونٍ عليها، بحيث يكون مسلمًا مستقيمًا في دينه؛ لأن المسألة خطيرة جدًّا، وهذا كلام الله، فلا يمكن أن نأتي برجل يترجم وهو غير مستقيم ولا مسلم.

***

المشتهرون بالتفسير من الصحابة
01:12:44

ثم قال المؤلف:
(المشتهرون بالتفسير من الصحابة
اشتهر بالتفسير جماعة من الصحابة، ذكر السيوطي منهم الخلفاء الأربعة: أبا بكر، وعمر، وعثمان، وعليًّا رضي الله عنهم).

هؤلاء المشتهرون بعلم التفسير، والذي يظهر لي أن هؤلاء الأربعة أعلم الصحابة في كل شيء؛ في التفسير، في الحديث، في الفقه، وأنهم أكثر الصحابة أخذًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سيما أبو بكر الذي صَحِبَه في أسفاره كلها، وفي إقامته، وكان له المنزلة العالية عند الرسول عليه الصلاة والسلام.
(إلا أن الرواية عن الثلاثة الأولين لم تكن كثيرة؛ لاشتغالهم بالخلافة، وقلة الحاجة إلى النقل في ذلك؛ لكثرة العالمين بالتفسير).
وهذه نقطة مهمة؛ يعني لو قال قائل: أبو هريرة رضي الله عنه هل هو أكثر أخذًا للحديث من هؤلاء؟
طلبة: لا.
الشيخ: لا، لا شك، لا سيما مع تأخر إسلامه رضي الله عنه، لكن كثرت الرواية عنه؛ لأنه عُمِّر، ولأنه متفرغ للحديث، أما أبو بكر وعمر وعثمان؛ فلأنهم مشتغلون بالخلافة، وكما تعلمون في عهدهم الفتوحات، وشؤون الدولة عظيمة جدًّا، ثم إن الحاجة إلى ذلك قليلة؛ لأن أكثر الموجودين في ذلك الوقت ما عدا الذين أسلموا في الفتوحات كلهم يعرفون القرآن؛ فلذلك قَلَّ النقل عنهم.
(ومن المشتهرين بالتفسير من الصحابة أيضًا عبد الله ابن مسعود، وعبد الله بن عباس. فلنترجم لحياة علي بن أبي طالب مع هذين رضي الله عنهم)، وخصَّصْنا عليًّا؛ لأنه أكثر من الخلفاء الثلاثة قبله.
على بن أبي طالب
01:15:03

(علي بن أبي طالب، هو ابن عم الرسول صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة رضي الله عنه وعنها، وأول من آمن به من قرابته، اشتهر)
رضي الله عنه (بهذا الاسم) أي: علي، (وكنيته أبو الحسن وأبو تراب)، كنيته أبو الحسن؛ لأن أكبر أبنائه الحسن، وكنيته أبو تراب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه يومًا في المسجد ووجده نائمًا، وقد أصابه العرق ولَصق الترابُ على جلده، فقال: «قُمْ أَبَا تُرَابٍ، قُمْ أَبَا تُرَابٍ» ، فكان رضي الله عنه يرغب هذه الكنية أكثر من غيرها؛ لأن الذي كنَّاه بها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، زوج ابنته فاطمة، عثمان أيضًا زوج بنت الرسول أيهم؟
الطلبة: رقية وأم كلثوم.
الشيخ: رقية وأم كلثوم، فتحته ابنتان من بنات الرسول عليه الصلاة والسلام.
تنازع رافضِيٌّ وسنيٌّ في علي وأبو بكر أيهما أفضل؟ فاتفقا على أن يحكِّما ابن الجوزي رحمه الله صاحب التبصرة، فجاءا يسألانه، أيهما أفضل؟ يقولون لابن الجوزي، قال: أفضلهما من كانت ابنته تحته، مَن هو؟ هل المعنى من كانت ابنة الرسول تحته، فهو علي، أو المعنى من كانت ابنته من هذين الرجلين تحت الرسول، فهو أبو بكر، ذهبا يختصمان؛ كلٌّ يقول: الضمير يعود على كذا، وهذا يقول: على كذا، لكن تخلص ابن الجوزي، فَضَّ النزاع وذهبا يختصمان، من الذي يعلم بمراد ابن الجوزي؟
طلبة: هو.
الشيخ: ما يعلم إلا هو، وهو ذهب عنهم وذهبا عنه، فبقيا في خصومة.
على كل حال، أبو بكر رضي الله عنه ابنته تحت الرسول عليه الصلاة والسلام؛ عائشة، وعلي بن أبي طالب بنت الرسول تحته.
(وُلِدَ) يعني: عليًّا، (قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم بعشر سنين)، كم يكون بينه وبين الرسول؟
طلبة: ثلاثون.
الشيخ: ثلاثون سنة.
(وتربى في حجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشهد معه المشاهد كلها، وكان صاحب اللواء في معظمها، ولم يتخلَّف إلا في غزوة تبوك)، وسبب ذلك أن الغزوة كانت بعيدة في أقصى الجزيرة على حدود الشام.
(فخلَّفه النبي صلى الله عليه وسلم في أهله، وقال: يا رسول الله، أَتَخَلَّف في النساء والصبية؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي» ).
كيف هارون من موسى؟ لأن موسى لما أراد أن يذهب إلى لقاء الله عز وجل إلى ميقات ربه خلَّف هارون وقال: اخلفني في قومي، قال: «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي».
وهذا حديث من المتشابهات التي استدل بها الرافضة على أن عليًّا أحق بالخلافة من أبي بكر، ولكن لا حجة لهم فيها؛ لأن الرسول خَلَّفه في حياته كما خلف موسى هارون في حياته، ولم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: إنك الخليفة بعدي، فشبهه بخلافة موسى لهارون؛ يعني: تخليف موسى هارون، وذلك في حياته أو بعد مماته؟
الطلبة: في حياته.
الشيخ: في حياته، فهو مثله في كونه خليفة في أهله في حياته، فلا حجة، لكن هكذا أهل الباطل؛ يأخذون بالمتشابه ويدَعون المحكم.
يقول: (نُقل له من المناقب والفضائل ما لم ينقل لغيره)، والسبب أنه هلك به طائفتان؛ طائفة تغلو، وطائفة تُفرِّط في حقه، فصارت الطائفة الأولى تنقل كل ما يمكن أن يكون منقبة ضد الطائفة الثانية.
يقول: ضل فيه طائفتان؛ (النواصب الذين نصبوا له العداوة، وحاولوا إخفاء مناقبه، والروافض الذين بالغوا فيما زعموه من حبه، وأحدثوا له من المناقب التي وضعوها ما هو في غنى عنه، بل هو عند التأمل من المثالب).
هذه المناقب التي يعدها الرافضة مناقب هو في غنًى عنها؛ لأن له من المناقب الصحيحة ما يغني عنها، وربما تكون من المثالب أحيانًا، ذكروا من مناقبه رضي الله عنه أنه يصلي بين المغرب والعشاء ألف ركعة، قال لهم شيخ الإسلام: أما تستحون؟ أَنْقُل كلامه بالمعنى، إذا كان يصلي ألف ركعة بين المغرب والعشاء، فكيف يقرأ؟ كيف يركع؟ كيف يسجد؟ كيف يطمئن؟ هل هذه منقبة أو مثلبة لو صحت؟
طلبة: الثاني.
الشيخ: الثاني، ولكننا نحاشي أمير المؤمنين عليًّا رضي الله عنه عن مثل هذا التلاعب.
(اشتهر رضي الله عنه بالشجاعة، والذكاء مع العلم، والزكاء)، فهو من أشد الناس قوة وشجاعة، وكذلك ذكاء وعلمًا وزكاء، (حتى كان أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه يَتَعَوَّذ من معضلةٍ ليس لها أبو حسن) يعني: يقول: أعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو حسن ؛ يعني: علي بن أبي طالب، وهذا يدل على علمه وذكاءه.
(ومن أمثلة النحويين قضيةٌ ولا أبا حسن لها) هذا معروف، راجعوا شرح ابن عقيل للألفية؛ يعني: هذه قضية ليس لها أبو حسن، من هو؟
طالب: علي.
الشيخ: علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
(وروي عن علي أنه كان يقول: سلوني، سلوني، وسلوني عن كتاب الله، فواللهِ ما من آية إلا وأنا أعلم أَنَزَلَت بليل أو نهار، وقال ابن عباس رضي الله عنهما: إذا جاءنا الثبت عن عليٍّ لم نعدلِ به ، وروي عنه أنه قال: ما أخذت من تفسير القرآن) يقول ابن عباس: (ما أخذت من تفسير القرآن فعن علي بن أبي طالب، كان رضي الله عنه أحد الشورى الذين رشحهم عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتعيين الخليفة).
طالب: أحد أهل الشورى.
الشيخ: (كان أحد أهل الشورى الذين رشحهم عمر رضي الله عنه لتعيين الخليفة، فعرضها عليه عبد الرحمن بن عوف، فأبى إلا بشروط لم يقبل بعضها، ثم بايع عثمان، فبايعه عَلِيٌّ والناس، ثم بويع بالخلافة بعد عثمان، حتى قتل شهيدًا في الكوفة ليلة السابع عشر من رمضان سنة أربعين من الهجرة رضي الله عنه).
عبد الله بن مسعود
01:25:09

بقي (عبد الله بن مسعود، هو عبد الله بن مسعود بن غافل الهذلي، وأمه أم عبد، كان ينسب إليها أحيانًا) في الحاشية يقول: وذلك أن أباه مات في الجاهلية، وأدركت أمه الإسلام فأسلمت، (وكان من السابقين الأولين في الإسلام، وهاجر الهجرتين، وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، رضي الله عنه، تلقى من النبي صلى الله عليه وسلم بضعًا وسبعين سورة من القرآن، وقال له النبي صلى الله عليه وسلم في أول الإسلام: «إِنَّكَ لَغُلَامٌ مُعَلَّمٌ» ) يعني: ملهم وفاهم.
(وقال: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ، فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» ، وفي صحيح البخاري : أن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني من أعلمهم بكتاب الله، وقال: والله الذي لا إله غيره، ما أُنْزِلَت سورة من كتاب الله إلا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أُنْزِلَت آية من كتاب الله إلا وأنا أعلم فيمن أنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه ).
اللهم ارضَ عنه، علم عظيم في كتاب الله عز وجل، وقوله: ولو أعلم أحدًا.. إلى آخره، هو لا يريد أن يُزَكِّي نفسه، لكن يريد أن يبين أنه وإن بلغ هذا الحد فإنه لن يبلغ العلم، وأنه لو علم أن أحدًا أعلم منه لذهب إليه إذا كانت الإبل تبلغه، وهذا يقع كثيرًا حتى من العلماء، ابن مالك مدح الألفية، ماذا قال فيها؟
الطلبة: (...).
الشيخ:
تُقَرِّبُ الْأَقْصَى بِلَفْظٍ مُوجَزِ وَتَبْسُطُ الْبَذْلَ بِوَعْدٍ مُنْجَزِ
وَتَقْتَضِي رِضًا بِغَيْرِ سُخْطِ فَائِقَةً أَلْفِيَّةَ ابْـــــــنِ مُعـــــــــــــْطِي

فضَّلها حتى بالتعيين لكنه استدرك وقال:
وَهْوَ بِسَبْقٍ حَائِزٌ تَفْضِيلَا مُسْتَوْجِبٌ ثَنَائِيَ الْجَمِيـــــــلَا
وَاللَّهُ يَقْضِي بِهِبَاتٍ وَافِرَهْ لِي وَلَهُ فِي دَرَجَاتِ الْآخِرَهْ

المحُشُّون الذين يُنقبون عن الوسخ تحت الأظفار قالوا: إن ابن مالك أخطأ، ليش؟ يقول: لي وله في درجات الآخرة، لماذا لم يقل: وللمسلمين؟ سبحان الله! ألم تعلموا أن موسى قال: رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي [الأعراف: ١٥١]؟ ألم تعلموا أن الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا يدعو لنفسه وحده؟ هل قال:
وَاللَّهُ يَقْضِي بِهِبَاتٍ وَافِرَهْ لِي وَلَهُ فِي دَرَجَاتِ الْآخِرَهْ

ولا يعطي بها لغيرنا، كما قال الأعرابي للرسول عليه الصلاة والسلام قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، وأيش؟
الطلبة: ولا ترحم معنا أحدًا.
الشيخ: ولا ترحم معنا أحدًا ، لكن هذا دعا لنفسه ولابن معطي ولا (...).
المهم أن الإنسان إذا قصد بما يتحدث به عن نفسه حث الناس على العلم وترغيبهم في ذلك، فلا حرج عليه، والله تعالى أعلم بالنيات.
(وكان ممن خدم النبي صلى الله عليه وسلم، فكان صاحب نعليه، وطَهوره، ووساده) رضي الله عنه، (صاحب نعليه) يعني: يحمل النعلين إذا استغنى عنهم النبي صلى الله عليه وسلم، كذا أيضًا الطَّهور؛ يعني الماء الذي يتطهر به الرسول صلى الله عليه وسلم، (ووساده) الوسادة التي يتكئ عليها.
(حتى قال أبو موسى الأشعري: قدمت أنا وأخي من اليمن، فمكثنا حينًا ما نرى إلا أن عبد الله بن مسعود رجل من أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم؛ لما نرى من دخوله ودخول أمه على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومن أجل ملازمته النبي صلى الله عليه وسلم تأثر به وبهديه حتى قال فيه حذيفة: ما أعرف أحدًا أقرب هديًا وسمتًا ودلًّا بالنبي صلى الله عليه وسلم من ابن أم عَبْد ).
ولقد صدق حذيفة؛ تأتي الأحيان آثار عن ابن مسعود تقول: إنها خارجة من مشكاة النبوة، مثل قوله: من سره أن يلقى الله غدًا مسلمًا، فليحافظ على هذه الصلوات حين ينادى بهن ، وذكر تمام الأثر، كلامه رضي الله عنه يوشك أن يقول للإنسان: إنه من كلام؟
طلبة: الرسول صلى الله عليه وسلم.
الشيخ: الرسول صلى الله عليه وسلم.
(بعثه عمر بن الخطاب إلى الكوفة ليُعَلمهم أمور دينهم، وبعث عمارًا أميرًا وقال: إنهما من النجباء من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم، فاقتدوا بهما ، ثم أمّره عثمان على الكوفة، ثم عزله وأمره بالرجوع إلى المدينة، فتوفي فيها سنة اثنين وثلاثين من الهجرة، ودفن بالبقيع وهو ابن بضع وسبعين سنة رضي الله عنه).
عبد الله بن عباس
01:31:12

الثالث: (عبد الله بن عباس، هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولد قبل الهجرة بثلاث سنين) كم عمر الرسول؟ عمر الرسول خمسون سنة.
طالب: أربع وخمسون.
الشيخ: لا، هو قبل الهجرة بثلاث سنين، كم عمر الرسول؟
طلبة: خمسون سنة.
الشيخ: خمسون سنة.
(لازم النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ابن عمه، وخالته ميمونة تحت النبي صلى الله عليه وسلم، وضمه النبي صلى الله عليه وسلم إلى صدره وقال: «اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ»، وفي رواية: «الْكِتَابَ» ، وقال له حين وضع له وَضوءه: «اللَّهُمَّ فَقِّهُ فِي الدِّينِ» ) شوف: علِّمه الحكمة، علِّمه الكتاب، فقه بالدين، (فكان بهذا الدعاء المبارك حَبر الأمة)، أو حِبر الأمة يقال: إنها مثلثة الحاء؛ حُبر، حِبر، حَبر.